|
في من يرده الحرج او الكبر عن الحق واتباع الجماعة
ولما راينا ان البعض ممن سمع الادلة في وجوب الجماعة واقوال مشايخ الدعوة السلفية فيها ، ولكن صعب عليه الرجوع عن قوله او اجتهاده السابق ، حتى جعل يبحث لها عن بديل او مسمى اخر ، او هيئة اخرى للاجتماع هربا من رجوعه عن قوله ، حتى كاد ان يهلك ، راينا ان نذكر بهذا النوع من الابتلاء للعبد ، الذي يكون لاجل التمحيص ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، او يرده الحرج عن الاتباع .
والابتلاء للعباد من عدة صور منه في هوى النفس وتعصبها ، وقد كانت الحكمة في تغير القبلة اختبار لمن يطيع الشارع ، ام يجاري من ينتقدهم ، وذلك عندما صعب على الناس كلام السفهاء في الرجوع عن قبلتهم السابقة كما قال تعالى : ( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ..) ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوا ويتضرع الى الله تعالى ان يردهم الى الكعبة ، ليخخف ذلك عليهم حتى استجاب له في قوله تعالى : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ..) ، ثم بين تعالى الحكمة من هذا التغير في قوله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وانت كانت لكبيرة الا على الذين هدى الله ..) البقرة .
وقد يكون هذا الابتلاء في أي امر يتحرج العبد من فعله ، مجاملة للناس ، او يكبرعليه فعله او تركه لسخريتهم ، فليتذكر العبد انه من ارضى الله بسخط الناس رضي عليه وارضى عليه الناس ، والعكس، ومن منعته سخرية السفهاء من لزوم الجماعة ، والتي يعلم انها الفرقة الناجية ، ويعرض عما تبين له من الهدى ، ويعتزل سبيل المؤمنين الذي جاء فيه : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) ، فانه قد تمكن منه الهوى ، وزادت عليه الغفلة ، التي تجعل القلب في قسوة لا يلين عند الاوامر، بل يرده فقط الحرج عنها ، والله تعالى يقول : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم ) ، وقال تعالى : ( المص * كتاب انزل اليك فلا يكن في ضدرك حرج منه …) الاعراف . اما الكبر والتعالي على الحق فقد كان من خطيئة ابليس التي بها طرد ، وسمي فعله كفرا ، ( الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين ) ، وقوله تعالى : ( استكبرت ام كنت من العالين ) ( 75 ص ) ، كما ان ترك العمل لاجل الناس من الشرك ، وعلى العبد ان لا يتحرج عن فعل ما صحت فيه الاوامر ، مثل الجماعة وغيرها . ان الرجوع الى الحق فضيلة ، وتزكية لمن رجع الى ما راه حق ، بل تدل على علمه وورعه ولا تنقص من قدره ، والنقص يكون في حق من استكبر عن الحق وتعصب لارايه ، وهذا يعكس ضحالة العلم وضعف الارادة ان استمر عليه ولم يرجع .
فقد صح عن عمر بن الخطاب ض انه اعلن رجوعه عن مسالة على المنبر ولم يكتفي بالحديث بين اصحابه ، ذكر الشوكاني في التفسير ، اخرج سعيد بن منصور وابو يعلي ، قال السيوطي بسند جيد : ( ان عمر نهى الناس ان يزيدوا النساء صدقاتهمن على اربعمائة درهم ، فاعترضت له امرأة من قريش فقالت : اما سمعت ما انزل الله : (وءاتيتم احداهن قنطارا ) . فقال : اللهم غفرا ، كل الناس افقه من عمر، فركب المنبر فقال : ياايها الناس اني كنت نهيتكم ان تزيدوا النساء في صدقاتهن على اربعمائة درهم ، فمن شاء ، ان يعطي من ماله ما احب) ، قال ابو يعلي : فمن طابت نفسه فليفعل . عمر قوي الشخصية صاحبة المكانة والقيادة ، لم يهمه الا تحسين موقفه بين يدي الله عز وجل ، ولم يصر على رايه او يوجد له المبررات ، او انا كنت اعني في هذه الحالة كذا.. و و ، واما رجوعه زاده مكانة عند اصحابه ، لان ذلك يدل على ورعه وحرصه على الحق
وقد سمعنا بعض طلبة العلم يقر بالنصوص الواردة في الجماعة، لكنه يقول : كيف نكون جماعة وقد خرجنا منها؟ اذا المانع هنا الموقف الشخصي والعزة ، وكيف يواجه من قال لهم الجماعة بدعة وحزبية ، مع ان الامر سهلا وهو كان محقا في خروجه من تلك الجماعة التي على باطل ، وليس لان الجماعة بدعة في اصها ، ولكن لان الجماعة التي كان فيها هي المبتدعة والمنحرفة ، فاخطائها ومنهجها المنحرف دفعته لذلك الخروج ، لكنه ما قدر على التركيز او التوفيق بين ما يفعل اولئك من البدع وبين حكم الجماعة. ان تلك الجماعة المنحرفة التي خرج منها كانت هي خلطة من الاخوانيين والتكفيريين وقليل من السلفيين مع الاشاعرة ، وقام اتحادهم فيها على طريقة سياسية فقط لحاربة الحكومة عندهم انذاك، بل يعترفون ان الذي دعى الى تكوين ذلك الاتحاد هو الدجال حسن الترابي، وهذا يكفيها سوءا وانحرافا. اذ ان الترابي توسط بينهم بواسطة عناصر درست عنده في السودان، كما ان بنود الاتفاق شاهدة على اخوانيتهم ، فمنها فقرة تقول : ( وان تدرس كتب الاخوان المسلمين الى جانب الكتب السلفية ) ومنها ما يؤكد جناح الاشاعرة واختلافهم في العقيدة اذ يقول الاتفاق : ( وان يغض الطرف عن الاشعري الذي لا يدعو الى اشعريته ) . اذا الاساس لم يقم على منهج السلف ، بل ولا حتى عقيدتهم ، ولا على سبيل الفرقة الناجية ، بل كان حزبا سياسيا منحرفا ، كما كان فيه عناصر ليست اخوانية ولكنها مخدوعة ، وعندما وقع جناح منهم في القتل واظهر حروريته ، خرج عليه الطييبون ممن كانوا سلفيين مخدوعين في هؤلاء ، غير ان مجموعة الافكار التي كانت منتشرة في ذلك الوسط الحزبي الاخواني ، جعلت المنهج السليم غائب ، وعليه غبار، ومن عرفه لم يستطع اقناع الاخرين وحملهم عليه ، فآثر القرب منهم حتى يقنعهم به . اذا من خرج من تلك الجماعة القائمة على الحزبية كان محقا في خروجه ، لانه خرج على جماعة منحرفة ، وليست جماعة اهل السنة التي تحمل منهج واهداف الفرقة الناجية ، لكن لا يعني ذلك الخروج بطلان نظرية الجماعة من اصلها ، فعليه بالجماعة الحقة ، القائمة على منهج اهل السنة والجماعة ، واصولهم التي من ابرزها الجماعة ، حتى صارت لهم اسما ، كما اشار سابقا شيخ الاسلام : (وسموا اهل الجماعة ، لان الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة ، وان كان لفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين ) .
ومن اراد ان يراعي اعتراض اهل البدع ، فاليعلم انه في كل حال لن يسلم من انتقادهم ، فخير له ان ينتقدوه وهو على الحق ، بدلا من ان يكونوا محقين وهو على بدعة ، ومعلوم ان التأثر بكلام الناس وسخريتهم ، كان المانع الوحيد لابي طالب عن الاسلام ، مع قناعته الداخلية بانه الحق ، وشهد بذلك في شعره ، عندما اعجبه موقف ابن اخيه ، وثباته على دينه ، في المساومة التي عرضها عليه نيابة عن مشركي مكة ، فقال ابوطالب :
والله لن يصـلوا اليـك بجمعـهم حتى اوسد في التراب دفينا
فاصدع بامرك ما عليك غضاضة ولقد صدقت وكنت ثم امينا
ولقد عرض ديـنا قد عرفت بانه من خيـر اديان البرية دينا
ولو لا الملامة او حـزار مسبـة لوجدتني سمحا بذلك مبيـنا
ويعني لو لا خوفه من انتقاد الناس لكان خير من يعلن اتباعه ، لكن الكبر منعه من اتباع الحق ، فليخشى من ترك شيئا من اصول دينه لاجل الناس ، ان تقع عليه عقوبة او فتنة في دينه ، كالذي ترك العمل بآيات الله حينما طلب منه قومه ان يدعو على المسلمين من قوم موسى ، بعد ان انعم الله عليه بالدين وايات الله ، قال الله عنه : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ) ( 175) فعاقبه ربه فاتعبه الشيطان فتبع هواه والغواية.
والانسلاخ ليس فقط رده للدين بالكلية ، وانما يكفي ان يرد الحق في مسألة واحدة بعد علمه ، ولهذا حذر الله تعالى من الفتنة او الشرك عند المخالفة لامر الشرع ، في قوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة ..) ، والعبد لا يدري متى وفي أي مخالفة تكون العقوبة . خاصة من سلك طريق العلم وانعم الله عليه بشيء من المعرفة ثم يتنصل عن السنة التي عاهد ربه على نصرتها ، وهو يعلم صحتها، فليتذكر الذي اتاه الله من فضله ، بعد ان عاهد ربه على ان يتصدق منها، وعندما فرضت عليه الزكاة لم يخرجها ، فانزل الله فيه : (ومنهم من عاهد الله لئن اتانامن فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما اتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فاعقبهم نفاقا في قلوبهم الى يوم يلقونه بما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) ، ولقد جاء بالزكاة بعدها ولم تقبل منه بعد العقوبة ، بل لم يقبل الاستغفار له ، في قوله تعالى : ( استغفر لهم او لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة لن يغفر الله لهم ) . فليخشى الله من عاهد ربه بالالتزام واتباع الحق وموالاة اهله واتباع الجماعة التي عليه ، يخشى الزيغ او الفتنة والنفاق ، وقد يختم على قلب العبد فلا يستطيع الرجوع من هواه . واما مايحسه العبد من الحرج فليدفعه بالاقدام على الفعل ، وذلك يعينه على الثبات ، كما قال تعالى : ( ولو انهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم واشد تثبيتا ) .
والشيطان يراود مبدئيا على التاخر والبحث عن بديل وعوض لهذا الحكم، وقد بين الله لرسوله عدم صحة التاخر في التنفيذ مع انه كان يريد الفعل ، لكن يخشى ثقل المسالة على الناس في زواجه من زوجت ابنه بالتبني ، ويريد الله تعالى ان يبطل هذه العادة ويجري التجربة على اصلبهم في دينه واتقاهم لله ، فقال تعالى : ( واذ تقول للذي انعم الله عليه وانعمت امسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله احق ان تخشاه ) .
كما بين تعالى انه ليس هناك حرجا في ما فرض الله في كتابه : (ما كان للنبي من حرج فيما فرض الله له ) ، فليعلم العبد ان عموم ما صحت به الاخبار بالامر او الترك فلا حرج ولا عيب فيه ، ومن يقدم على الفعل يجد فيه حلاوة الايمان ، ولذة الطاعة ، لتقديمه محبة الله ورضاه على غيره . وعندما شرب صلى الله عليه وسلم العسل في بيت احدى ازواجه ، وشبهته احداهن على رائحة الخمر ، فمنع نفسه من شربه ، فانزل الله تعالى : (ياايها النبي لم تحرم ما احل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك .. ) وفي هذا حكم لبيان اهمية الحذر من محاولة ارضاء الناس .
فعلينا تنفيذ الاوامر بالسنن الواجبات ومنها الجماعة ، ولا نترك اصل من اصول اهل السنة لان هناك من لا يعجبه او يسخر من ذلك.
علما بان دعوة الله ليست محتاجة للعباد ، وهو القائل : ( فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) ، وانما نحن في حاجة لها لنعتصم بها ، ونحتسب ثواب الايمان والعمل بها. اما ورود هذه الفتن فهو لحكم عظيمة منها قوله تعالى : ( ليعلم من ينصره ورسله بالغيب ) وقوله : ( ليميز الخبيث من الطيب ) ، وان المؤمن ليبتلى بامور لبيان يهتدي ام يضل كما في حديث ابن عباس : ( قال ابن عباس : ( ونبلوكم ) يقول نبتليكم ( بالخير والشر ) بالشدة والرخاء ، والفقر والغنى ، والحلال والحرام ، والطاعة والمعصية ، والهدى والضلال ) انتهى.
ومن الموانع من الطاعة ما هو من العادات ، وبعوامل الوراثة تزداد في اناس حدة ذلك ، مثل الحسد والعزة والتفاخر اكثر من غيرهم ، لان لكل اناس معدن ولهم صفات تميزهم عن غيرهم كما قال صلى الله عليه وسلم : ( الناس معادن خياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام اذا فقهوا ) ، وصفاة الناس منها ما هو مزموم ومنها ما هو محمود، فنرى المعدن الطيب يدفع الى مكارم الاخلاق حتى في الجاهلية ، والمعدن الاخر القاسي الى ما هو سيء .
وفي الناس صفات يتفاوتون في مقدار تمكنها منهم ، مثل الحسد والغيرة والرقة واللين وغيره ، ويمتحن الناس حسب صفاتهم وكل على قدر قوته ، وما وهبه الله من صفات وطاقة . كما جاء في الحديث : ( يبتلى المؤمن على قدر دينه ) . وكل معدن يثير في صاحبه مشاعر ورغبات وامزجة تختلف من شخص لاخر ، منها العناد والتكبر والهوى او اللين والسهولة والانقياد ، وقوة الشخصية او ضعفها ، شدة العزيمة او فتورها ، صلابته او مرونته ، رقته او قسوته وعنفه ، وصبره او جزعه ، الحسد او الايثار. والذي نود الاشارة اليه ، مدى تاثير تلك الصفاة الوراثية او المكتسبة بالمعايشة والمصاحبة ، على المسلم في ترك الحق او جحده بعد علمه ، بسبب شدة الكبر ، او التعالى على منافسيه ، وحسده لغيره من ان يكون لهم شان لانهم وافقوا الحق . ومن الناس من يرشد صفاته الفطرية بالدين وتربية نفسه بالدين وتزكيتها من الصفات الزميمة ، ومنهم من يسيطر عليه الهوى ، والحسد والكبر بسبب غفلته او عوامل الوراثة كما علم عن الخوارج الذين يرجع اصلهم الى المنافق ذو الخويصرة الذي اعترض على قسمة النبي صلى الله عليه وسلم واتهمه بعدم العدل ، وفي اخر الحديث قال صلى الله عليه وسلم :(فانه يخرج من ضؤضؤي هذا الرجل اقواما يحقر احدكم صلاتكم بصلاتهم …. الى قوله ..يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ) .
فالشاهد خروج الخوارج من صلب ذلك الرجل المنافق ، وهي اشارة لعوامل الوراثة ، ( وهذا لا يعني الحصر لكل الخوارج ، ولكن من يحيون بدعتهم ويقودون فرقتهم ، وامثالهم في الصفاة تبعا لهم .
والمراد هنا ذكر المعدن والطبائع الشريرة وتاثيرها على السلوك والاخلاق والاجتماعيات عموما ، ونقف على بعض هذه الطبائع وتاثيرها السلبي ، مثل الحسد ، والذي يكثر في اناس ومجتمعات نراها اكثر من غيرها في القتل والصراع وبطر الحق وقمط الناس ، حتى ينتبه من كان مجتمعه كذلك ينتبه الى ضرورة الحذر الشديد من تاثيرها عليه في رد الحق او العزة والتعصب.
والحسد هو الدافع على اول جريمة قتل وقعت على ظهر الارض، عندما قتل ابن ادم اخيه حسدا على انه تقبل الله من اخيه صدقته ولم يتقبل منه ، كما جاء في الاية : ( قال لاقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين ) . وقد كان الناس امة واحدة أي جماعة واحدة ، ففرقهم الحسد الى جماعات ، وهو الذي دفع بعضهم للبغي على غيرهم ، وكذلك بعد كل رسالة يقع الحسد بينهم حتى يبغي يعضهم على الاخرين ، وذلك بعد علمهم بالحق والبينات ، اذ يدفعهم الحسد للبغي فيما بينهم ، كما قال تعالى : ( كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين امنوا لما اختلف فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم ) ( 213 البقرة ) . فمن تبع هواه ونزوات نفسه التي تامره بالسوء والبغي والتعالي على الاخرين ، والتكبر عليهم ، عند الاختلاف في مسالة ما ، فيعادي اخوانه في الدين ، ويفارقهم ظلما وعلوا مع يقينه في داخله انه مخطيء وانهم محقون ، فيجعله الحسد او البغي جاحدا لما عندهم من الحق في هذه المسألة ، وهذا اليقين بالحق لا ينفعه كما كان للسابقين عندما جحدوا الحق مكابرة وفي داخلهم موقنون به ، كما قال تعالى عنهم : ( وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا).
والبعض يدفعه لرد الحق المكابرة والعزة او العصبية او القبلية او المصالح الشخصية ، او الصراع على السلطة او القيادة وحب العلو على الخلق ، او الغيرة على موافقة غيره للحق ، وهو لا يريد ان يسلم لهم بذلك .
كما قد يقع الخلاف بين طلبة العلم حتى يحملهم على الخروج من الجماعة ، لاجل التعالي على من خالفه والبغي بينهم ، قال تعالى : (وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم )، (19 آل عمران ) . وقال تعالى ( وما تفرق الذين اوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءتهم البينة) ( البينة ) وحتى يتنبه طالب العلم لمسالة رد الحق لاجل المكابرة او حسدا لاخرين فليتذكر ان الحسد والمنافسة منعتا اليهود من الاسلام مع علمهم به ، ومعرفتهم بعلامات النبوة مما جاء في التوراة ، وقد كانوا ينتظرون ظهور النبي منهم ، فيستغلون ذلك في التغلب على منافسيهم ، فيقاتلونهم ويسيطرون عليهم ، وليس حبا فيه .
حتى انهم كانوا يقولون لخصومهم : هذا زمان نبي فاذا خرج قتلناكم ، فلما خرج من غيرهم كابروا وردوه مع يقينهم في داخلهم بصدقه ، وقال تعالى عنهم : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدقا لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) ( 89 ) (البقرة). ان حجد الحق لا يعني فقط رد الاسلام بالكلية وانما جحد مسالة واحدة مما هو معلوم من الدين بالضرورة ، او نص صريح من الكتاب والسنة بعد علمه فهو ناقض للاسلام . والشاهد هنا في تاثير هذه الصفاة الموروثة والمتفشية في بعض المجتمعات اكثر من غيرها ، فتدفع طالب العلم لرد بعض الحق لما يجد من حرج التراجع عن راي سابق او اعتراف لمن خالفه ، حسب ما جرت العادة في تلك المجتمعات المتعصبة التي نشأ فيها وتأثر بها ، فيتعصب ويصر على رأيه وقد علم في داخله انه كان مخطأ . فعلى طالب العلم ان يخرج من هذه العصبية الموروثة ، وينتبه الى انها مما ابتلي به في قومه ، ويجبر نفسه على قبول الحق ، ويصبر على مرارته ان كانت ، حتى يجد لذة العافية في دينه ، وحلاوة الايمان في قلبه ، وليخشى سخط ربه ، ان رد الحق بعد علمه ، فربما يختم على قلب العبد برد الحق فلا يمكنه الرجوع اليه ولو اراده .
واما قبول الحق فشرف يسارع اليه العبد المنيب ، ويكرمه ربه ، ويرفعه كما قال تعالى : ( يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات ) . اما صاحب الكبر والتعالي على الحق بعد سماعه ، سيهان ولا يبلغ ما يريد ، كما قال قال تعالى : ( ان في صدورهم الا كبر ما هم ببالغيه ) كما عرّض نفسه للفتنة برد الحق ، وليتذكر من يحجب نورهم وهم الى الصراط ويتخلفون من بين المؤمنين ، فينادون اخوانهم المؤمنين : ( الم نكن معكم ) ؟ فيردون كما اخبر الله : (قالوا بلى ولكنكم فتنتم انفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الاماني حتى جاء امر الله وغركم بالله الغرور * فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير ) .
ثم يكمل تعالى الايات مستنكرا علينا ضعف الخشوع الذي يدفع للاذعان والتنفيذ الفوري ، ويحذر من القسوة التي اصابة اهل الكتاب قائلا عن كل ذلك : ( الم يان للذين امنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين اوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون.16) الحديد .
نسال الله لزوم السنة وجماعتها ، ولا حول ولا قوة الا بالله .
|