|
الخـلاصـة
الخلاصة التي نخرج بها من هذا البحث الموجز هي : ان الجماعة امر واجب على اهل الحق ان يفعلوه ، واتباع للسنة ، وليست فقط لاجل الادارة وتنظيم حياتهم ، وانما احتسابها شعيرة تعبدية يتقرب بها الى الله تعالى ، بل هي اصل من اصول اهل السنة ، عرفوا بها حتى قرنت في وصفهم السنة فصاروا بالصفتين معا : اهل السنة والجماعة .
وذلك عندما خالف الناس نهج الجماعة الحقة ، وابتدعوا من الشعائر والمناهج ، وصاروا عليها جماعات متعددة ، فدعى اهل السنة عند ذلك الى الجماعة الحقة وبيينوا اهميتها ووجوبها ، حتى وصفوا باهل الجماعة .
وقد غلط من طلبة العلم من قال : لا داعي للجماعة ، ويكفي ان يكون كل منهم على منهج السلف ، ومع ان الجماعة هي من منهج السلف بل واصل من اصولهم ، الا ان القائل اذا تامل ادلته لوجدها تدل على وجوب الجماعة ، لكنه فهمها بناء على ما استقر في نفسه من النفي ، ولم يدرك مراد السلف في بيان النصوص التي بذاتها صريحة في ذلك المعنى أي الوجوب.
ولناخذ بعض المقتطفات الموجزة من اقوال اهل العلم التي اشارة لذلك فيما ذكر ، لنجدد المعنى في النفوس لان المناقشات قد توسعت بنا وانستنا عباراتهم.
فشيخ الاسلام يرى الجماعة ضرورة لا تقوم الحياة كلها الا بها ، اذ قال : ( وكل بني ادم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الاخرة الا بالاجتماع والتعاون والتناصر ) ، الى قوله عن امرائهم وقياداتهم ـ : ( فاذا اجتمعوا ؛ فلا بد لهم متن امور يعملونها ، يجتلبون بها المصلحة ، وامور يجتنبونها ، لما فيها من المفسدة ، ويكونون مطيعين للامر بتلك المقاصد ، والناهي عن تلك المفاسد ) .
ومما يؤكد انه يعني الاجتماع كجماعة وليس فقط اتباع الحق الذي عليه الجماعة ، قال : ( فان بني ادم لا تتم مصلحتهم الا بالاجتماع لحاجة بعضهم الى بعض ) ، وقوله : ( وامثال ذلك من النصوص التي تامر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف ، واهل هذا الاصل هم اهل الجماعة ، كما ان الخارجين عنه هم اهل الفرقة) .
وفي رسالته لجماعته من السجن قال : ( وان لم يكن خدمة الجماعة باللقاء ، فانا داع لهم بالليل والنهار ، قياما ببعض الواجب من حقهم ) ، وقوله : ( وسموا اهل الجماعة لان الجماعة هي الاجتماع ، وضدها الفرقة ، وان كان لفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين ) .
وقوله : ( ثم انه سبحانه بين ان هذا الاصل عماد لدينه ) ، الى قوله : ( فانظروا رحمكم الله كيف دعا الله الى الجماعة ، ونهى عن الفرقة ) ، ثم قال : ( فوصف الفرقة الناجية بانهم المتمسكون بسنته، وانهم هم الجماعة ) .
وكذلك ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : ( انه امر المسلمين بالاجتماع في الدين ) ، الى قوله : ( ثم صار الامر بالاجتماع لا يقوله الا زنديق او مجنون ) ، أي صار امر غريبا وغير مالوف لانهم قد تركوه . ويشير بذلك للذين يقولون بعدم جواز الجماعة او تركوها بغير اعتراض .
ثم قال ايضا : ( الاصل الثالث ان من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تامر علينا ولو كان عبد حبشيا ) ، ثم قال مستنكرا على المعترضين : ( ثم صار هذا الاصل لا يعرف عند اكثر من يدعي العلم ، فكيف العمل به ) .
وايضا نقل عن الشيخ ابن باز رحمه الله قوله : ( بان يكونوا كتلة واحدة وجماعة واحدة ) ، كل ذلك ونجد بعض من يدعون العلم يستنكرون حتى لفظة الجماعة ويتحرجون منها في كلامهم ، مع انها نقلت في كلام معظم شيوخ السلفيين ، ولكن الهوى يعمي ويصم ، الا من رحم الله .
وقد وصف الشيخ الالباني رحمه الله السلفيين بالجماعة ، في كلامه عن الجماعة السلفية ، كما ورد في مجلة السلفية : ( واذا فرضنا ان هناك جماعات متفرقة في البلدان الاسلامية على هذا النهج ، فهذه ليست احزابا ، وانما هي جماعة واحدة .)
وايضا من كلامه : ( وانما الانتماء الى سبيل واحد ، وسلوك طريق واحد ) وقوله : ( ولكن من الواجب ، ان يعرف الراغب بان يكون من هذا الحزب ، الذي شهد الله عز وجل له بالفلاح ـ علامة هذا الحزب ونظامه ومنهجه ) .
وقوله ص في الحديث : ( فقبض يده وقال : الجماعة ) دل ذلك على تماسك الجماعة وليس المراد فقط منهج يعمل به كل منهم دون اجتماع .
ان الجماعة التي وصفت ، هي عناصر اجتمعت على الحق ، وتماسك افرادها ، وهم اهل العلم واتباعهم ، سواء قل عددهم ام كثر، واذا تفرقوا في البلدان ، انتسبوا الى بعضهم ، وان وجدوا في بلد واحد ، اجتمعوا ولزموا جماعتهم من ومجالسها من غير بدع الجماعات بالمعاهدات او البيعات ، انما هم قوم اجتمعوا للتواصي بالحق والصبر على الاذى فيه ، ولتعاون على البر والتقوى . وبشرى سارة لهم فيما رواه الطبراني عن عمرو بن عبسة ض قال : سمعت رسول الله ص يقول : ( عن يمين الرحمن ـ وكلتا يديه يمين ، رجال ليسوا بانبياء ولا شهداء ، يغشى بياض وجوههم نظر الناظرين ، يغبطهم النبيّون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله عزّ وجلّ ، قيل : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم جمّاع من نوازع القبائل ، يجتمعون على ذكر الله ، فينتقون اطايب الكلام كما ينتقي آكل التمر اطايبه ) .
ومجالسة الجماعة تكثر سواد اهل السنة ، وهي تلك المجالس التي وصفت بان تتباهى بها الملائكة ، وامر الرسول صلى الله عليه وسلم بلزومها والصبر فيها ، فما بال اناس يتنزهون عن الشي يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، انها الغفلة تقسي القلب ، وتزيد قسوته بمفارقة مجالس اهل الحق ، وكما في الحديث : ( من بدا جفا ) . اما من أحيا شعيرة الاجتماع ، ولزم اهل الحق فهو معظم لشائر الله ، ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) . والمراد ان يكون اهل الحق جماعة مباينة لاهل البدع ، وفرقة تجعل اهل الحق خارج الفرق الهالكة ، وليقصد الجماعة من اراد النجاة ، وهي الجماعة التي اسسها رسول الله صلى الله علسه وسلم وخرج الناس عنها ببدعهم ، فاحياها اهل السنة وردوا الناس اليها ، وهي الفرقة التي وصفت بالطائفة المنصورة ، التي لا تزال حتى تقوم الساعة .
اما الجمعيات الخيرية فلا يوجد فيها اصلا شبهة التحزب ، لان ذلك من باب التعاون على البر والتقوى ، ولا فرق في هذا الاجتماع لامور الدين او الدنيا ، واذا كانت هناك اخطاء في بعضها ، من ناحية منهجها ، او سلوك افرادها ، فهذا ينسب لسلوكهم ، وليس من باب بطلان اصل عمل الجمعيات . اما ما يتعلق بالهجر والبراءة احياء ، كما يفعل بعض طلبة العلم بهجر بعض اهل العلم لانه زكى شخصا او جهة لا تستحق التزكية، فان كل انسان يفتي بما يراه والعلة قد لا تعرف عند الجميع والشيخ معذور فيما لا يدري ، ولهذا وضعت قاعدة الجرح يقدم على التعديل ، من غير جرح في من زكى تلك الجهة ، اذا علم من سيرته الخير ، فلا يهجر شخص لاجل اختلاف التقيم والاجتهاد ، ولان كل منهم يقيم الواقع بما توفر لديه من معلومات . واما الهجر بين عامة الاخوة في الدين فهو من التعزير ، ولا يفتي به الا اهل العلم وليس لطلبة العلم الخوض فيه ان وجد من هو اعلم منهم ، كما ان مسالة الهجر هي عقوبة وتحتاج الى موازنات ، فمن الناس من يصلحه الهجر ، ومنهم من يزيده في الانحراف ويعين عليه الشيطان . فعلى طلبة العلم ترك مسائل التعزير والهجر والبراء ليفتي بها اهل العلم ، وهي حالات نادرة ، والواجب والاصل هو الصلة والعمل على بناء المجتمع المسلم واصلاح ذات البين ، وان لا نفرط في اللبنات الموحدة ، بل نمد الايدي حتى يترابط اهل السنة في كل انحاء العالم ، لان رسالتنا عالمية ، كما قال تعالى : ( وما ارسلناك الا رحمة للعالمين) ، واخطاء من جعلها محصورة في بلده ، والله تعالى يقول : ( وارسلناك للناس كافة ) . ان من كان من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعتزل الجماعة التي امر بها واشار لها ووصفها بالناجية ، ولا حولا ولا قوة الا بالله .
|