منهج السلف يكفي الخلف
من المنهج 
من اسباب قيام الجماعة من واجبات الجماعة اباحة الاحزاب السياسية من رده حرج عن الجماعة حكم الخروج من الجماعة خلاصة بحث الجماعة

حكم الخروج من الجماعة

  ان الخروج من جماعة الحق التي هي على نهج الفرقة الناجية الموصوفة بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما انا عليه واصحابي ) القائمة من اهل التوحيد والسنة ، فان الخارج منها بارادته بعد علمه بذلك ، فانه كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا ، كما انه تارك للسنة ، لانه ترك سبيلها وما امرت به ، كما صرحت السنة بانه قد تركها عندما حرج من جماعتها ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( ترك السنة الخروج من الجماعة ) . التهذيب 3/318 عن ابي هريرة .     ان الانتماء الى جماعة اهل السنة والاتباع لسبيل المؤمنين ، هو عهد مع الله للسيرعلى هذا الطريق ، وان العبد لمسؤول عن هذا العهد ، وليس كاحزاب الدنيا ايده اذا شاء وتركه اذا شاء .    ان دخول الجماعة بيعة مع الله ، وعهد وان العهد كان عنه مسؤولا ، والخروج نكوث عنه كما قال تعالى : ( ومن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد الله عليه فسيؤتيه اجرا عظيما) ( 10 الفتح ) .     ولما كان الانتماء الى الجماعة هو طاعة لله في امره بها ، وموالات لاولياءه اهل التوحيد ، فان الامر قد اصبح بينه وبين الله وليس بينه وبين الجماعة ، وخروجه منها هو خروج عن الطاعة لله فيها ، وزهدا عن سبيله ، ومفارقة لاولياء ، ومشاققة لسبيل المؤمنين الذي دعاه الله اليه ، وعلى العبد ان يعلم من هو سائله عن كل ذلك .      ان من زعم بانه سلفي ، يجب ان يعلم ان الدليل الذي امره بالسلفية منهجا وسبيلا ، هو ذات الدليل الذي يحرم الخروج على جماعتها ، كقوله تعالى : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) .     واي فئة يتبع فيها سبيل المؤمنين ان اعتزل اهل السنة واهل الحديث وانصار الله وانصار السنة والفرقة الناجية والطائفة المنصورة ؟ فالى اين يذهب ؟ الى الهوى ام الى ذئاب الخوارج ؟ وهل طابت نفسه بهجر اهل التوحيد الذين يفردون ربهم بالدعاء ، بالغداة والعشي يريدون وجهه؟ .

  والله تعالى يامر حتى رسوله صلى الله عليه وسلم لزوم جماعتهم وان يصبر نفسه معهم ، فالى أي فئة تعد عينا من هجر اهل التوحيد .     يجب ان يعلم طالب العلم او المنتسب الى اهل السنة ، ان التعامل مع جماعتهم هو لله تعالى ، وليس لمجرد الصداقة او ما تناله النفس من حظوظ الدنيا ، وان تكون العلاقة بهم ، هي معاملة لله فيهم ، كما اشار لذلك شيخ الاسلام ونقل سابقا ، وهي تقربا لله بطاعته في لزوم ما امر به ، ومحبة لمن نصر دينه ومؤازرة لهم .     لكن عندما تلتفت القلوب الى الدنيا وتتعلق بالرئاسة والقيادة والاموال ، وتتعالى بما نالت من الاموال والسلطة ، ويستقر في النفس المغرورة انها لا يمكن ان تبقى في الجماعة بغير ذلك ، كما لا تريد ان تدار او توجه ممن تزدري اعينهم ، كما يهون عليهم التوحيد واهله والسنة وانصارها ، الى درجة يجد في نفسه ان الادارة والاموال هي العامل الوحيد لبقاءه في الجماعة والرباط مع افرادها ، حتى اذا نزعت منه احس بان الصلة قد قطعت بالجماعة ، وكانه لم تكن بينه وبينهم مودة ، لان عامل المودة الادارة والسلطة التي نزعت والاموال التي انقطعت ، ( وحسبوا الا تكون فتنة ) .      فعندما يبتلى صاحب الهوى بفتنة مع اخوانه ينسى حقوقهم عليه ، والتوحيد الذي اجتمعوا لاجله ، فيخرج على جمهور اهل التوحيد والسواد الاعظم من اهل السنة واميرهم ، ويتبع من شذ مثله واشرب من هواه ، كما هو حال الخوارج ، الذين كلما اختلفوا في الامارة او شي من امور الدنيا خرجت منهم مارقة ، والذي تولى كبره منهم صار اميرها .         ثم يجمعون لفرقتهم قواعد واصول واسباب للخلاف ، ما كانت موجودة عندما خرجوا ، وكل منهم يرى ان الحق معه وغيره على باطل، حتى صاروا اكثر من اربعين فرقة فهل الحق هكذا يتعدد ؟ .      ولما عرفت نزاعاتهم ليس لها مبرر غير الهوى والغرور ، وصفهم اهل السنة ، باهل الاهواء ، بناء على ما جاء في الاحاديث التي تصفهم بذلك ، مع انهم يرفعون شعارات حق واسماء يراد بها باطل.

 واشباههم اليوم الذين يخرجون على جماعة اهل السنة ، يزعمون انهم يدعون الى الكتاب والسنة ، او جمعية الكتاب والسنة ، وكأن غيرهم كان يرفض الكتاب والسنة او ليس من اهلها

  ومع هذا الزعم فانهم قد خافوا الكتاب والسنة في امر الجماعة ولزومها وموالات اهلها ، ومحبتهم ومجالستهم ، فاين الكتاب والسنة في ذلك .     ان امثال هؤلاء قد خبّر عنهم سلف الامة ، حتى لا يغتر بهم العوام ، فقد ذكر الامام الشاطبي في الاعتصام ، اثر ابن مسعود : (وستجدون اقواما يزعمون انهم يدعون الى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم ، عليكم بالعلم ، واياكم والبدع والتعمق ، وعليكم بالعتيق ).     وروى الحافظ وابو يعلي ، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله ص : انما اتخوف عليكم رجل قراء القرءان حتى اذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام اعتراه الى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسبف ورماه بالشرك ، قال : قلت يا نبي الله ايهما اولى بالشرك المرمي ام الرامي ، قال : بل الرامي.       وربما تكون في بعض الاشخاص المراحل الاولى من مثل هذه الحالة خاصة اذا لتشويه اهل التوحيد ويتهمهم بمخالفة العقيدة لمجرد كلمة يؤولها هو على هواء في حين ان صاحبها يرفض ذاك المعنى المتأول ويرده على مسامعهم .

 وهذا المفتون يعلم ذلك لكنه يبحث عن حجة ضد خصمه المعلوم بالعلم والاستقامة بل اشهر اهل السنة في محاربة المبتدعة في عصره.      وما ورد سابقا ، عن الحسن ، ( ان ابي بن كعب قال : هلك العقدة ورب الكعبة ، هلكوا واهلكوا كثيرا ، والله ما عليهم آسى ، ولكن آسى على ما يهلكون من امة محمد صلى الله عليه وسلم .يعني بالعقدة : الذين يعمدون على الآراء والاهواء ، والمفارقين للجماعة ) انتهى.       واما زعمهم اننا نعمل وندعوا من خارج الجماعة ، او في جمعية اخرى ، فما ذلك الا غطاء لبدعتهم ، واصرارا على هواهم ، وضرارا للجماعة ، وارصادا لمن حار الجماعة ، وان لم يكن لهم عيب سوى الخروج من الجماعة ، فكفى به اثما وبدعة وترك للسنة.     وقد عرف ان اول بدعة وقعت في الإسلام هي بدعة الخوارج الذين خرجوا على جماعة المسلمين .

  ان الامور الاجتهادية بطبيعتها قابلة للخاطأ والصواب ، فمن راى في الجماعة ما هو دون الكفر فليعالجه ولا يخرج على جماعة التوحيد ، لانها اجتمعت لاجل هذا التوحيد الذي ما زال متفق عليه ، وليس للصداقة او ادارة الاموال ، كما لا يمنع ذلك الخلاف من دعوته لهم من داخل الجماعة .     اما اذا كان خلافه لمجرد انه عزل من الادارة والاموال التي كانت سائبة في يده ، فليس هذا بمبرر للخروج على الجماعة ، بل هو فجور في الخصومة ومكابرة ودفاعا عن المصالح الشخصية ، كما ان الجماعة لا تخلو من حالتين :

 اما ان تكون محقة في عزله لمخالفته الثابتة عليه ، وعليه قبول ذلك ، واما ان تكون ظالمة له ، خطاءا او عمدا ـ فعليه الصبر على الفتنة ، وعلى ما يكره ، ويلزم الجماعة ولا يفارقها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من راى من اميره ما يكره فليصبر) .

 اما ان يعاديهم ويوازيهم بجماعة اخرى ، فقط لاجل الادارة وليس لاجل التوحيد الذي لم يختلف عليه ، بل ذهب الى عرقلة مسيرتهم ، والتشكيك فيهم ، وينادي للخروج عليهم ، ويزاحمهم على من يدعمهم ، ويطلب من الحكام مصادرة مساجدهم ، فهذا صد عن سبيل الله ، وفجور في الخصومة ، انسى الخارج نفسه ووقوفه بين يدي الله عزّ وجلّ .

  ومهما زعم انه ( جمعية الكتاب والسنة ) او غيرها من الشعارات البراقة ، فانه اذا نظر لفعله وجد نفسه قد نبذ الكتاب والسنة وراء ظهره، ومناصر لاعداء جماعة التوحيد ومعادي للموحدين ، حتى يرجع، وما زال الحق واحد لا يتعدد.    قال الامام الشاطبي في الاعتصام ص ( 249 ) : ( ان قوله عليه الصلاة والسلام : ( الا واحدة ) ، قد اعطى بصه ان الحق واحد لا يختلف اذ لو كان الحق فرقا ايضا لم يقل : ( الا واحدة ) ، ولان الخلاف منفي عن الشريعة باطلاق ، وهو معنى ما جاء في الرواية الاخرى من قوله : ( وهي الجماعة ، لان الجماعة وقت الاخبار كانوا على ذلك الحق ) انتهى.       ان الواجب على الشخص في الجماعة ان يكون رحيما ، كمثل من ينتسب اليهم من سلف الامة ، حيث كان رسولهم معهم كذلك (محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم ) ولا يتعالى على اخوانه او يزدريهم ، وان يخفض جناحه للمؤمنين ، مطيعا لمن امروه عليهم ، خاصة في الامور الادارية والاجتهادية ، فاذا عزل الامير منهم شخصا فعليهم بالقبول ، حتى لو كان مظلوما .

وما كانت الطاعة المطلوبة للامير الا في مثل هذه الامور الادارية والتنظيمية والاجتهادية ، لان الحلال والحرام الطاعة فيها للنصوص، وطاعة الامير قصد بها المسائل التي تحتاج الى اجتهاد، لاجل وحدة الجماعة في المواقف ، حتى لا يتنازعوا فيفشلوا وتذهب ريحهم .

 ان الادارة والقيادة تكليف ، فاذا رفع عنه الامير التكليف ، فعليه بالقبول ، ولا يصر على احتكار الادارة وخاصة الاموال ، كما ان الحريص على الولاية ايا كانت الواجب منعه منها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (انا لا نعطي الامارة من سالها ) .   وقد علم ان خيرة المسلمين في ادارة الحرب والقيادة ، خالد بن الوليد ض، فقد عزله عمر ض لمصلحة رءاها ، فاجابه خالد ض وسلم الامارة لمن اسندت اليه ولم يتعصب له احد من المسلمين او يعترضوا على قرار عمر رضي الله عنه.    اما المسائل التي بها شبهة مثل المال ، فالواجب على من عزل منها ان لا يظهر حرصه عليها ، وكما كانت لمن قبله تكون لمن بعده ، واذا سال عن ماله الخاص ومن اين له عليه ان يجيب لنفي الشبهات .    فقد سال من هو افضل منه ابا هريرة ض ، عندما كان اميرا للعراق وشكاه اهل العراق الى عمر ض ، وذكروا ان له اموالا ، فاستدعاه عمر الى المدينة وساله عن الاموال ، وحاشا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ياخذ من المال العام او الخاص شيئا ، بل حتى التجارة الحلال ما كان على عهد رسل الله صلى الله عليه وسلم ينشغل بها وتفرغ للعلم حتى انه كان يقول تبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  على ملىء بطني ، فاجاب ابو هريرة ض على عمر : انها من مال الفيء نميته يا امير المؤمنيين . أي حصته من الغنائم اعطاها من يسثتسمرها حينما كان اميرا على العراق.

  فلما امره امير المؤمنيين ان يرجع الى عمله في العراق ، قال : والله لا اولى عليهم بعدها . وترك الامارة وهو لا يشك في برائته أي فرد من من عرفوه .     والواجب على الفرد من الجماعة اذا ظلم من ادارته ، عليه الصبر حتى تنجلي الفتنة ، ويسال الله السلامة من الفتن ، ثم ان الجماعة فيها غيره من الكوادر ولها مثله من الحق والرغبة في المشاركة في الخير ، وللادارة ان تجرب غيره ، او رأت في غيره الكفاءة بحثا عن الافضل .      وكي لا تكون الادارة والاموال دولة بين اناس بعينهم لا يحق لغيرهم المشاركة ، فضلا ان ينتصر اليه اصحابه او الذين كان يمولهم على مشاريعهم الخاصة ، ويتحزبون له ويعادون فيه ويوالون فيه ، لاجل العودة لادارة الاموال والسيطرة على الاخرين، وتقدم حماية المصالح الشخصية ، والعلاقات الاسرية ، وامور جاهلية ، فهذا صهري وهذا عديلي وهذا من منطقتي ، مما لا يليق باهل الدعوة والعلم .      واحيانا يتاثر بعض اهل الخير والطيبين بهؤلاء المفتونين ، لثقتهم فيهم واحسان الظن بهم ، وجهلا باخطاءهم التي كان لا ينشرها اميرهم ، ويظنون ان اؤلئك المعزولين مظلومين ، فيقفون خلفهم ويدافعون عنهم ، وربما يخرجون معهم ، لما لبّسوا عليهم بعبارات الباطل المكسوة بالاصلاح والاعتدال المزيف ، والتشنجات والنهرات حتى تراهم احرص الناس على الدعوة ، في حين هم احرص الناس على الحياة المترفة .

  ان الواجب على افراد الجماعة في هذه الحالة ، طاعة اميرها ، وان لم يوضح سببا لعزل المعزول ، لانه لم يكن امر بمعصية ، وانما اعفاء عن تكليف ، كما ان الخطاء على من يصر على موقعه حتى لو كان بريئا مما نسب اليه ، فهناك فرق بين براءته ، وبين اصراره على العمل وادارة الاموال .      واحيانا الامير يكتم اسباب العزل لمصلحة يراها او مراعات لمستقبل المعزول مع الجماعة ان رجع اليها ، ومثال لتلك الاجتهادات في تقدير الموقف ، اصرار علي ض على عدم المطالبة بدم عثمان ض فهل هو مستهين به ام يستحل دمه ؟، كلا لا هذا ولا ذاك ، وانما مصلحة شرعية رأها وقد لا يستطيع بيان كل ما فيها ، لان المصلحة تقتضي ذلك .       ومثل هذه الامور الاجتهادية ربما تكون فتنة لمعرفة من يتبع السنة في علاجها ، ومن يصر على رايه وهواه في معالجتها ، وفي مثل هذه الحالات يستغل بعض الذين افتتنوا هذا الصمت المفروض على الامير او الادارة فيجعلون منه ازمة وحجة على ادعاءاتهم ، ويثيرون البسطاء على قيادتهم ، لان افكارهم المحدودة التي لا تتسع لمعرفة الامور المعقدة ، تجعلهم يتحركون بالعواطف ، او بما يمليه الملبّسون ، كما حدث ذلك للخليفة المامون عندما لم يستطيع التوفيق بين حجة الامام احمد ، وما يثير العلماء المفتونين ضده ، بناء على كثرتهم ، وانفراد الامام احمد بذلك رحمه الله .     الى ان شاء الله ان يعرف الناس فيما بعد ان المنفرد الامام احمد كان على الحق ، وكتلة العلماء المفتونين والقضاة والخليفة والمفتون كلهم كانوا على الباطل .

  ان الواجب على الدعاة ان لا ينسوا ان الابتلاء ماذال يعرض على العبد من وقت لاخر ، ولا يعني خروجه من الجاهلية ، ودخوله دعوة التوحيد ، انه من المتجاوزين للفتن ، او الابتلاء قد توقف ، وليتذكر قوله تعالى :( والو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدغا لفتنهم فيه)، وقوله تعالى : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ..) ( 179 آل عمران ) .    ان هناك لابتلاءات وخاصة هذا الزمان المشهور بكثرة الفتن ، حتى جاءت وصايا السنة تقول : ( بادروا بالاعمال فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) . جامع الاصول الجزء العاشر بعدة روايات صحيحة .     وعلينا الحذر في كل لحظة ومسالة ، وان نفزع الى الله في معالجة الفتن ، فذاك نبي الله داود عليه السلام ، لمجرد انه افتى لمن ساله عن خصيمه في نعاجه في صورة تبدوا واضحة المظلمة ، واسرع بالاجابة بانه : ( لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه ) ، فلما ادرك انه قد تعجل في الحكم قبل ان يسمع حجة الاخر ، خرّ لله راكعا مستغفرا خوفا من هذه الفتنة ، وقال تعالى عنه : ( وظن داود انما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا واناب ) ( ص 24 ) .    واما نحن فيظلم بعضنا في حق المائات من اهل التوحيد ، بل وفي اموالهم واموال الايتام والمساجد ، ولا يرى انه مخطيء بل ينصب نفسه العادل المانع للاخرين من الظلم ، ( واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلجون ) .      وكذلك عندما شكك الشيطان زوجت داود عليه السلام ، في ان الله لو كان يحب داود لشفاه ، فلجأ عليه السلام الى الله للنجاة من الفتنة ، وقال الله تعالى عنه : ( واذكر عبدنا ايوب اذ نادى ربه اني مسني الشيطان بصب وعذاب ) .      فعلينا باللجوء الى الله عند وقوع الفتن ، وليس اللجوء الى التحزب والفرقة والخلاف ، وكما قال ابن مسعود ض : ( ان ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة ) ، وهذا اصل من اصول اهل السنة ، ومن فارق الجماعة خارج عنه ، كما قال شيخ الاسلام سابقا : ( واهل هذا الاصلا هم اهل الجماعة ، كما ان الخارجين عنه هم اهل الفرقة ) .   وعلى عامة الافراد ان لا يعاونوا من شذ عن الجماعة وعاداها ، بل يقربوه منها ، ويعاونه على انصافه ان كان مظلوما ، ولكن لا يعاونه في معادات الجماعة وافرادها ، كما قال تعالى : ( تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) .     نقل عن شيخ الاسلام في حق المعلمين وما يجب عليهم من الاداب ، في ( ج 28 /15 ) : ( فاذا كان المعلم والاستاذ قد امر بهجر شخص ، او باهداره واسقاطه وابعاده ونحو ذلك : نظر فيه ، فان كان قد فعل ذنبا شرعيا ، عوقب بذنبه بلا زيادة ، وان لم يكن اذنب ذنبا شرعيا لم يجز بان يعاقب بشء لاجل غرض المعلم او غيره )، وابضا قال : ( وليس للمعلمين ان يحزبوا الناس ، ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء ، بل يكونوا مث الاخوة المتعاونين على البر والتقوى ) .

 ان ما يفعله البعض عندما يبعد فقط عن الادارة وليس الجماعة ، فيحزب الناس ، ويوزع الاموال لكي يجعل له كتلة تخالف معه ، بل ويدعو الطلاب الذين كان يدرّسهم باسم الجماعة ، يدعوهم لتركها ومحاربتها ، ويقيم لهم مدرسة جديدة ، مكابرة وارصادا لمن حارب جماعة السنة ومعهدها الذي خرج دعاة التوحيد ، لتعليم حق الله على العبيد ،  فهذا امر سوله الشيطان ، ونزغ به بينه وبين اخوته ، وعليه تركه والمسارعة لان يصلح ما افسد ويبين ما لبّس ، قبل ان يصبح فجأة بين يدي الله وهو على ذلك .     قال شيخ الاسلام رحمه الله : ( ومن نصب شخصا كائنا من كان، فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو ، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) الاية ، واذا تفقه الرجل وتادب بطريقة قوم من المؤمنين مثل : اتباع المشايخ ، فليس له ان يجعل قدوته واصحابه هم المعيار ، فيوالي من وافقهم ، ويعادي من خالفهم ، فينبغي للانسان ان يعود نفسه التفقه الباطن في قلبه والعمل به ، فهذا زاجر . وكمائن القلوب تظهر عند المحن ،. وليس له ان ان يدعوا الى مقالة او يعتقدها لكونها قول اصحابه ولا يناجز عليها ، بل لاجل انها مما امر الله به ورسوله ، او اخبر الله به رسوله ، لكون ذلك طاعة لله ورسوله . وينبغي للداعي ان يقدم فيما استدلوا به من القراءن ، فانه نور وهدى ، ثم يجعل امام الائمة رسول الله ص ثم كلام الائمة ) انتهى .      وقال ( ص 16 ) : ( وليس لاحد منهم ان ياخذ على احد عهدا بموافقته على كل ما يريده ، وموالاة من يواليه ، ومعادات من يعاديه ، بل من فعل هذا كان من جنس جنكز خان وامثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقا والي ، ومن خالفهم عدوا باغي ) انتهى .    وقال ايضا رحمه الله : ( واذا وقع بين معلم ومعلم ، او تلميذ وتلميذ خصومة ، لم يجز لاحد ان يعين احدهما ، حتى يعلم الحق ، فلا يعونه بجهل ولا بهوى ، بل ينظر في الامر فاذا تبين له الحق اعان المحق منهما على المبطل ، سواء كان من اصحابه ، او اصحاب غيره ) .     وهذا في شان الخصومات الشخصية ، اما في الادارية فالطاعة للامير او اللجنة او المسؤول عنها ، واما تقيمه لاحد الكفتين يجب ان يكون شرعيا وليس بهواه ، وعند الاختلاف في التقيم يرجع للقاعدة العامة في الخلاف ( عليكم بالسواد الاعظم ) لاجل السلامة، وهذا مخرج للاجتهاد حتى لو كان خطاء كان من المعفو عنه ، كما ان ميزة هذه الامة لا تجتمع على ضلالة ، وهذا من توفيق الله لها للصواب .

وقال ايضا : ( ومن مال مع صاحبه سواء الحق له او عليه ، فهذا حكم بحكم الجاهلية ، وخرج عن حكم الله ورسوله ، والواجب على جميعهم ان يكونوا يدا واحدة مع المحق على المبطل ، فيكون المعظم عندهم ما عظمه الله ورسوله ، والمقدم عندهم ما قدمه الله ورسوله ، والمحبوب عندهم من احبه الله ولرسوله ، والمهان عندهم من اهانه الله ورسوله ، بحسب ما يرضي الله ورسوله لا بحسب الاهواء ، فان من يطع الله زرسوله فقد رشد ، ومن يعص الله ورسوله فانه لا يضر الا نفسه ، فهذا هو الاصل الذي عليهم اعتماده ، وحينئذ فلا حاجة الى تفرقهم وتشبعهم ، فان الله تعالى يقول : ( ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) وقال تعالى ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد جاءهم البينات ) ، وان كان الرجل قد علمه استاذ عرف قدر احسانه الؤه وشكره ، ولا يشد وسطه ، لا لمعلمه ولا لغير معلمه ، فان شد الوسط لشخص معين ، وانتسابه اليه كما ذكر في السوال ، من بدع الجاهلية ، وجنيس التحالف الذي كان المشركون يفعلونه ، ومن جنس تفرق قيس ويمن ، فان كان المقصود بهذا الشد والانتماء التعاون على البر والتقوى ، فهذا امر الله به ورسوله ، له ولغيره بدون هذا الشد ، وان كان المقصود به التعاون على الاثم والعدوان فهذا حرمه الله ورسوله ، فما قصد من هذا بخير فمن امر الله بالمعروف ، استغناء عن امر المعلمين ، وما قصد بهذا من شر فقد حرمه الله ورسوله ، فليس لمعلم ان يحالف تلامذته على هذا ، ولا لغير المعلم ان ياخذ احد تلامذته لينتسبوا اليه على الوجه البدعي لا ابتداء ولا افادة ) انتهى .

وقال رحمه الله ( ص 20 ) : ( ومن حالف شخصا على ان يوالي من والاه ويعادي من عاداه ، كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان ، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله ، ولا من جند المسلمين ) انتهى .   وقال في ( 3/420 ) : ( واقل ما في ذلك ان يفضل الرجل من يوافقه على هواه ، وان كان غيره اتقى منه ) انتهى .    وقد تاني الفتن والمحن رحمة بذلك المجتمع الطيب ، لان الإنسان الضعيف محدود القدرة لا يدري من معه ماذا يبطب وربما كان هناك مخترقون يحيكون المؤآمرات ويقلبوا الامور امثال السروريين وهناك سماعون وبسطاء يتأثرون وفي مثل هذه الحالة بين تعالى انه هو الذي اخرهم وابعدهم بتلك الفتنة حتى لا تضر باهل الحق ، فكرهم خروجهم معهم في نصر الحق حتى لا يخزلوهم كما كشف انهم اصلا ليس لهم يحمس على ما تريدون مما يفيد ان لهم مآرب اخرى في كل ذلك قال تعالى : ( ولو ارادوا الخروج لاعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين  * لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا خبالا ةلاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالطالمين* لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور حتى جاء الحق وظهر امر الله وهم كارهون ) 46 - 48 التوبة.      فالفتنة تنفي وتبعد المخترقين واصحاب الاهواء كما ينفي الكير الخبث ، فاما الزبد فيذهب جفاءا واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض ، وتبقى دعوة الله طاهرة نقية ومن تاب فان الله عزيز حكيم واهل الحق يمدون ايديهم للجيمع ولاصحابهم خاصة ان افتتنوا ، كما قال الله : ( له اصحاب يدعونه الى الهدى ائتنا ، ويقولون ربا لا تجعل في قلبوبنا غلا للذين امنوا ، ومن اصر ولم يرجع فقد تكون علامة على انه اصلا ما كان منهم بل يتولوا وهم فرحون ، والله غني عن العالمين ، وتبقى الجماعة لكل سهل هين لين في يد اخوانه بالمؤمنين رؤوف رحيم.