|
اباحة الاحزاب غير الدينية
ولما كان قد ورد ذكر الاحزاب غير الدينية وجب الوقوف عندها لبيان الفرق بين التحزب المحذور ، وما هو مباح منه ، وقد يتناول المتعجل لكلمة الحزب وما اشتق منها فيجعل منها معصية وجرما دون النظر في القواعد والاصول ، ومدلول الكلمة او موقع ورودها ، فالاحزاب منها دينية ، ومنها دنيوية سياسية ، فالتعدد المحذور في الاحزاب هو التعدد في الدين ، ولان الدين منهج واحد ، يريد الشارع الاجتماع عليه في جماعة واحدة ، وحزب واحد ، فوصفه الرب جلّ وعلا ب( حزب الله ) ونهى عن التفرق عنه وقال : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا وأولئك لهم عذاب عظيم ) ، كما بين ان ذلك التفرق المحذور في الدين ( ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) ، فهذا تفرق ديني عقائدي منهجي ، ومن فارق حزب الله في دينهم وجماعتهم كان من الشيع المحذورة .
اما التعدد الحزبي في امور الدنيا والسياسة ، فهو تعدد في فنون الادارة واجتهادات الناس في تسهيل مصاعب الحياة ، وما يحقق لهم الرفاهية والوصول اليها باقل جهد وتكلفة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (انتم ادرى بامور دنياكم ). والناس قد يختلفون في ترجيح الاولويات ، وتحديد الضروريات ، مع ازدياد كثافة الناس ، وكثرة الفنون ، وكل يرى ان الافضل البدء من هنا ، وكل يريد ان ينفذ برامجه ومقترحاته ، فبدلا من كبت فئة، وفرض ما عند فئة اخرى دون الاستماع لغيرهم ، يكون في التعدد الحزبي سعة للمزاحمة بالافكار والاراء والمقترحات ، ولكل فئة ان تختار من يمثلها في تقديم برامجها . واذا نظرنا لسعة الإسلام ويسره حتى في الناحية الدينية هناك مجال للخلاف ، اذ ان اهل العلم متفقون على ان الخلاف في الاجتهاد السائغ يجعل كل منهم له ان يعمل بما تطمئن له نفسه ، ووقع ذلك حتى بين اصاحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ، وكل عند نفسه مصيب ، ومن هذا جاءت المذاهب والخلاف في الاجتهاد عند اهل العلم ، فمنهم من ينزل في الصلاة على اليدين ومنهم من ينزل على الركبتين ، ولم يجعلوا من ذلك مشكلة ، بل هم جماعة واحدة ، فاذا كان ذلك التعدد المذهبي في الدين ، فمن باب اولى ان يكون هناك سعة في الخلاف حول امور الدنيا ، التي تسمح بالتعدد في الاراء ومن ثم كان اصحابها على ذلك التعدد مذاهب لكنها سياسية وليست دينية ، ومجالها الدنيوي الذي اصله الاباحة يجعلها اكثر حرية لانه خلاف حول امور دنياهم ، وكل منهم يريد ان يحمي حقوقه ، ومصالح من خلفه ممن قدموه نقيبا عنهم . علما بان ابتعاد الناس عن الدين وقلة الامانة والورع ، والميل والتحيّـز عند البعض لمن يواليهم ، وتجاهله لمن يخالفهم ، او تعمده لحرمان بعض المناطق والفئات من حقها ، ادى ذلك لعدم الثقة من المتضررين في من يتجاهلهم ويتعمد ضياع حقوقهم ، سواء لتعصب قبلي او جهوي او ديني او مشاكل شخصية او الحقد والحسد ، يجعله يتعمد الاضرار بهم ، فلهذا كان من التعددية اعطاء الفرصة لكل فئة من الناس ان تختار وتقدم للقيادة من تثق به ويحفظ حقوقها ، وينوب عنها في تنفيذ ما تراه من وسائل تخدم دنياهم . ويكون من يمثلونهم كمستشارين ومندوبين عند الحاكم ، سواء لمساعدته او حتى مبايعته ، كما فعل اصحاب رسول ض عندما اختاروا سبعة عشرة نقيبا عن قبائل المدينة وجاءوا لمبايعته صلى الله عليه وسلم في العقبة ، لحمايته عندما يذهب الى المدينة ، واقرهم القرءان بل قال عنهم : ( الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايدهم ) فكان هؤلاء النقباء، يمثلون كل مسلم في المدينة اقرهم على ذلك ، فاذا جازت النيابة عن المسلمين في الدين ، فمن باب اولى ان تكون النيابة السياسية في امور الدنيا التي هي في اصلها مباحة ، لمتابعة مصالحهم ، ما اجلاها ، وما ابعد عن الصواب من حرّمها.
فهذا التعدد الحزبي في امور الدنيا ، اصبح حماية للبعض من كيد من يتعمد تجاهلهم او يضيع حقوقهم . وتبدو سعة الدين والحكمة في اباحة ذلك ، كما ان التمثيل والتعدد الحزبي (السياسي) يسكت الغضب عند المبعدين ، وحضور ممثليهم يشعرهم بالمشاركة وعدم التجاهل ، ويقلل من حدة النزاع والصراع عند محاولة كل فئة الوصول الى السلطة ، كما ان التعدد الحزبي يمنع من استغلال البعض للادارة ، وهنا يبدو واضحا ان الترخيص في التعدد الحزبي في امور الدنيا فيه حكم عظيمة ، جاءت لتعالج علل وخلل في المجتمع تحتاج الى سعة لمجاراة ما يحدث الناس من الظلم والاعتداء على بعضهم . ومن ادلة الاباحة ، فاصلا لم يرد في تحريم تعدد احزاب الدنيا نص وانما النصوص المانعة هي في الاحزاب الدينية ، واما بالنسبة لامور الدنيا عموما فحسب القواعد : الاصل في الاشياء الاباحة ، ولا يحرم الشيء الا بدليل . وهذا لا يمنع ان الاجتماع على راي واحد هو الافضل ، وكلما حدث الاجتماع والتقارب كان حسنا ، لكن ذلك لا يعني تحريم تعدد الآراء أو الاحزاب السياسية ان احتاج الناس اليها .
والاسلام لا يرغّب في التعدد ، بل في التقارب والاجتماع ، الا انه لم يحرمه ، كمثل امور عدة غير محببة ولكن لم يحرمها ، مثال الطلاق ، واذا اضطر الناس له فمباح ، الا انه لم يدعوهم اليه ، والكي بالنار ، نهى عن فعله من غير تحريم ، واباحه في نفس الحديث ، فقال صلى الله عليه وسلم: ( شفاء امتي في ثلاث ، شرطة محجم ، وجرعة عسل ، وكية من نار ، واني انهى امتي عن الكي ) ، فذلك سعة وترخيص للامة ان اضروا او احتاجوا اليه ، فتعدد الاحزاب الدنيوية مباح لانه ليس تفرق في الدين ، ولكن الاجتماع افضل . ونقول للذي يريد ان لا يكون الناس احزبا في الدنيا ، ويريدهم حزبا واحدا ، في حين هو حتى في امور الدين ، يقف بعيدا عن الجماعة ، ويراها حزبا ، اذا فاي اجتماع يريد ؟ ، بل هو بلسان حاله دعاهم للفرقة، فكان الواجب على من اراد الا يكون تفرق ، ان يلحق بالجماعة حتى لا يفرقهم ، ثم ينادي غيره للاجتماع معها ، وان يلزم جماعة اهل الحق لكثر سوادهم ، ويثقّل كفتهم ، واما جلوسه بعيدا يتفرج ويطالبهم بلسانه بالاجتماع ، وبحاله ، بالتفرق فهذا خلفا لما اراد . وعلى من لا يرى الاجتماع الا بالامام للجماعة ، كان عليه ايضا الاجتماع معهم للعمل على بناء الاساس الذي يضع عليه السقف الذي يريد ، وللتعاون على البر والتقوى والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يرقى بها الى مرحلة الامام الذي يريد ، وذلك بالتربية والوسائل الشرعية ، واعداد الفرد واللبنات السليمة ، والربط بينها ، لبناء المجتمع المسلم ، حتى يكتمل البناء ، وليعلم ان الحاجة اليه في الجماعة قبل الامام ، اهم واولى منها في حالة وجود الامام ، لان الحاجة له في وقت ضعفها ، اشد من الحاجة له في وجود الامام وقوتها .
ونضف الى ذلك ، المشاركة في العمل العام لخدمة نفسك ومجتمعك الخاص وحماية حقوقك ، وليس من الصواب ان يعتزل العمل العام وينتظر الاخرين ان يحفظوا له حقوقه ويحموا عقيدته وحرماته ، كما انه لا ينتظر حدوث الخير واهل الخير معتزلون العمل العام ، فان امرت اهل الخير والعلم بعتزال المجتمع فمن اين تنتظر الخير. كما ان المشاركة في امور الدنيا لا تمنعه من ممارسة شعائره الدينية الخاصة ، لان مشاركته ادارية وليست عقائدية .
|