منهج السلف يكفي الخلف
من المنهج 
من اسباب قيام الجماعة من واجبات الجماعة اباحة الاحزاب السياسية من رده حرج عن الجماعة حكم الخروج من الجماعة خلاصة بحث الجماعة

من واجبات الجماعة

 بعد ما تبين حكم الجماعة من النصوص وفهم السلف الصالح لها ، واقوال اهل العلم السابقين والمعاصرين في وجوبها ، نقف بعد هذا الأصل على اصل آخر ، هو من واجبات الجماعة التي لا يستقيم امرها الا به ، وهو "الامارة " وقد ورد ذكرها ضمن بعض الاقوال والنصوص السابقة ، لكن لم نتوقف عندها كثيرا بقصد ان نفرد لها موضعا يجمع بعضا مما جاء فيها ومناقشتها ، حتى تزول بعض الاشكالات التي جعلت الاوراق تخلط على البعض من طلبة العلم .    فذلك المجتمع الطيب من اهل العلم واتباعهم ، الذين يصلحون ما افسد الناس من السنة ، وما افسد الناس عموما في الارض بعد اصلاحها ، مع ترتيبهم لشئون هذا المجتمع الطيب ، فعليهم واجبات لا تتم مصلحته، ولا يستقيم امره الا بها ، منها الامارة او الراس الذي يقود ويامر بمقاصد الشريعة حتى في اصغر المجتمعات ، ( ولا يتبادر في ذهن البعض عند مجرد ذكر الامارة ، كل ما هو من فعل اهل الاحزاب المبتدعة ، فلا يلزم وقوع ذلك ، فقط المطلوب ما جاء فيها من تصور شرعي ، وحسب ما ورد في السنة وفهم السلف الصالح لها ، ومشروعيتها وحكمها ، ( من غير بدع ولا بيعات ولا تأثر بالاحزاب السياسية او الدينية المنحرفة) .        كما يجب ان لا تخلط الاحكام بين الامارة الكبرى أي الامامة ، وبين الامارة في الامور العادية لكل مجتمع صغير او كبير ، سواء في وجود الامارة الكبرى او في غيابها ، سواء في السفر او الحضر، هناك امارة لها صلاحيات او احكام دون الامارة الكبرى ، علما بان الشيخ صاحب العلم المتميز فيهم والذي يرجعون اليه عند النزاع ليستنبط لههم حكما ، ويحتكمون اليه لانه اعلمهم ، فهو بذلك من الامراء ، لان العلماء صنف من الامراء كما سيرد بيانه ، وهم الآمرون بالعلم والكلام .       والصنف الاخر اهل اليد والقدرة ، من الحكام ، وزعماء العشائر، او الرجل في رعيته . وسياتي بيان بعضه على لسان شيخ الاسلام، كما كان هو قائدا وشيخا واميرا لاهل السنة في عصره بلا منازع له من علماء عصره في المرجعية والامر والنهي في اهل السنة والجماعة ، وهو الذي يرى الامارة ضرورة من ضروريات الحياة لكل بني ادم ، في الدنيا والدين ، بل لا يقومان الا بها وسياتي كلامه، وكما كان الامام احمد بن حمبل رحمه الله رأسا لاهل السنة في عصره ، ووصف بالامام مع انه ليس اميرا حاكما ، ذلك لان قيادة الناس في الدين امامة وامارة يتقدم بها ويامر بها في الفتوى ، ولكن لا يلزم احد بالفعل او الترك كالامام الحاكم ، وكل العلماء الكبار سمو أئمة من هذه الناحية ، وامامة الدعوة هي قيادة الدعوة وتوجيه افرادها ، فيؤم هذه الفئة الطيبة كقوله تعالى :  ( واجعلنا للمتقين اماما ) ولا يعني هذا المزاحمة على الرئاسة وانما قيادة اهل الايمان ، بان يكون في مقدمتهم وليس فقط منهم ، وسابقا لهم في الخيرات ومفتاحا لابوابها.

  فهذه اقل صورة من الامارة يقتدي بها الناس ، من غير انكار على انها امارة ، ومن غير انكار لمشروعية الامير ان امّره الناس.    فالذين لا يفعلون الامارة لظروف تحيط بهم ، فذلك حكمه آخر ، غير انكار المشروعية او اعتقاد انها بدعة ، فلا بد في كل الاحوال من الاعتقاد بانها مشروعة كما بينت السنة ، وفعلها ما كان ذلك ممكنا.

والى جانب فعل الامارة للامتثال للسنة التي امرت بها وسياتي ذكرها ، فايضا فيها حكم تحقق مقاصد شريعة ، منها الواجب والمستحب ، فهي تجمع الكلمة وتمنع من التفرق وتوحد الصف ، وتمنع من اعجاب الشخص برايه ، لان الفرد منهم عند الاستقلال عنهم ، وانفراده باجتهاده وما يظن انه الصواب ، يكون على موقف مختلف ، فتتعدد الاجتهادات في المواقف ، وبذلك تتعدد التوجهات وتتعدد الجماعة تبعا لذلك ، واما في وجود الامير فيجعل المجموعة على موقف واحد بعد مشورتهم ، فاذا عزم على امر ، يتوكل على الله في تنفيذه ، ويتبعه الجميع من وافق الراي ومن خالفه ، فيتحقق الاجتماع والوحدة وثمراتها.

  فكان من الامير جمع الكلمة ووحدة الصف في الامور الادارية والدعوية ، او الدنيوية وتنظيم مجتمعهم ، وفي التعامل في ما بين المسلمين وحتى مع غير المسلمين ، وتوحيد الموقف الجماعي ، مع من نتعاون ؟ وعن من نتحفظ ؟ ، من نعتزل ؟ ، ومن نناصر على عدو ؟ ، واي ضرر اكبر من غيره ؟ .

 ويوفّق الامير بين الاقوال في ترجيح المصالح والمفاسد ، وأي الضررين اكبر فنجتنبه جميعا ، واي الخيرين اولى فنفعله جميعا .      وفي كل يوم ترد على العباد فتن ، واحيانا امور معقدة ، الحق فيها غير واضح ، وامور لا تبدو مصلحتها لكل الناس ، بل ربما يظهر منها العكس ، كما كان في صلح الحديبية ، فلو ترك كل شخص على رايه لوقعت حروب ، وهذه الامور هي التي يحتاج فيها الناس لراي الامير او الرئيس لترجيح احد الاقوال ، ويجمع الناس على ما يرى فتحصل الوحدة والصلاح والتمكين ، وهذه من حكم هذا الدين الذي سن سننا تتحقق بها مصالح العباد منها الامارة سواء الصغرى او الكبرى .

 واذا اخطاء الفرد في الاجتهاد وصار كل منهم في الجماعة له وجهة هو موليها ، لانه لا يوجد امير يجمعهم ، فلم تكن للجماعة فائدة في هذا الحالة ، اذ لا يوجد فيها ما يوحد الناس ، وهذا كمعنى كلام عمر رضي الله عنه : ( انه لا جماعة الا بامارة ولا امارة الا بطاعة ) فيتم فائدتها ومصلحتها الامير الذي يجمع الناس على راي واحد مما سمع من آراء الجماعة.

  والخطاء معه خير من الصواب الذي يبعد الفرد عن الجماعة ، كما هو معنى كلام ابن مسعود ض : ( وانما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة ) ، ولا تكون هذه الكراهية التي يعني ، الا في حالة وجود امير اطاعه في امره بما يكره ، والا فهو حر لا قيد له ان لم يكن هناك آمر

ولناخذ وقفة على ما جاء في بعض النصوص وكلام اعلام الأئمة الذين على نهج السلف في مسالة الامارة ، قال شيخ الاسلام في الفتاوى : ( 28/ 168 ) : ( وكل بشر على وجه الارض لا بد له من امر وناه ، ولا بد ان يامر وينهى حتى لو كان وحده ، لكان يامر نفسه وينهاها ، اما بمعروف واما بمنكر ، كما قال تعالى :( ان النفس لامارة بالسوء ). فان الامر هو طلب الفعل وارادته ، والنهي طلب الترك وارادته ، ولا بد لكل حي من ارادة وطلب في نفسه ، يقتضي بهما فعل نفسه ، ويقتضي بهما فعل غيره اذا امكن ذلك ، فان الانسان حي يتحرك بارادته . وبنو ادم يعيشون باجتماع بعضهم مع بعض ، واذا اجتمع اثنان فصاعد ، فلا بد ان يكون بينهما ائتمار بامر وتناه عن امر ، ولهذا كان اقل الجماعات في الصلاة اثنين ، كما قيل الاثنان فما فوق جماعة . لكن لما كان ذلك اشتراكا في مجرد الصلاة ن حصل باثنين احدهما امام والاخر ماموم ، كما قال النبي r لمالك بن الحويرث وصاحبه : ( اذا حضرت الصلاة ، فاذنا ، واقيما ، وليؤمكما اكبركما ) . وكانا متقاربين في القراءة ، واما في الامور العادية وفي السنن انه r قال : ( لا يحل لثلاثة يكونون في سفر الا امروا عليهم احدهم ). واذا كان الامر والنهي من لوازم بني ادم : فمن لم يامر ونهى ، ويؤمر وينهى …….الخ ) الى ان قال : ( ص 170 ) : ( وقد امر الله في كتابه بطاعته ، وطاعة رسوله ، وطاعة أولي الامر من المؤمنين ) انتهى .

   ومع وجود حديث اخر واضح غير حديث السفر سياتي ذكره الا انه يجب ان ناخذ وقفة على استدلاله بحديث السفر على الامور العادية ، بل سائر انواع الاجتماع ، حيث قال في : ( 28/ 65) ( فاذا كان قد اوجب في اقل الجماعات واقصر الاجتماعات ان يولى احدهم ، كان هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو اكثر ، ولهذا كانت الولاية لمن يتخذها دينا يتقرب به الى الله تعالى ، ويفعل فيها بحسب الامكان ) .    وفي موضع اخر : ( 28/ 65) : ( فاوجب r تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر ، تنبيها بذلك على سائر انواع الاجتماع ، ولان الله تعالى اوجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يتم ذلك الا بقوة وامارة ، وكذلك سائر ما اوجبه من الجهاد ، والعدل ، والحج ، والجمع ، والاعياد ، ونصرة المظلوم ، واقامة الحدود ، لا تتم الا بالقوة والامارة) . انتهى .            فذكر صنفين من حالات الحاجة للامارة ، الاولى لان واجب كل مسلم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم كما يقول :( الا بقوة وامارة ) والامر بالمعروف عام على الجميع ، وليس خاص بالحكام ، بل هو من شان الجماعة وافرادها ، وذلك ما يفيد بانه يريد الامارة للدعوة أي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كما كانت الجماعة لذلك، كقوله تعالى : ( ولتكن من امة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) .

  وكلام الشيخ يفيد ان هذا الواجب العام وهو ( الدعوة ) لا يتم الا بالامارة وقوله بعد الفقرة : ( وكذلك سائر ما اوجب من الجهاد .الخ) يفيد انه يتحدث عن حالتين ، فهذه الحالة الثانية ، كذلك تحتاج للامارة ، يعني الكبرى اضافها على الحالة الاولى ( الدعوة ) اصل حديثه.

فاستنباط الشيخ واضح في انه يريد وجوب الامارة عموما في كل الجماعات والاجتماعات ، للدعوة وغيرها من امور الحياة ، واما حديث السفر كصيغة مبالغة لعدم العذر حتى في السفر، اي في حالة اقل الجماعات وهي الثلاثة ، واقصر الاوقات وهو السفر العارض ، الذي تقصر فيه الصلاة ، ويحل فيه الافطار للصائم ، ومع هذا يوجب عليه الامارة ، لضرورتها وتاكيدا لاهميتها ، لحاجة افراد الجماعة لها ولو كانوا ثلاثة وفي سفر، مع انهم ما زلوا تحت امارة بلدهم سواء الكبرى او الصغرى .      لكن حال السفر خلو منها ومن اجماعها الذي يحتاجون له لما يعرض اثناء السفر ، فلا يترك الاسلام المجموعة بلا قيادة او من يجتمعون عليه، وذلك لوحدة الصف والموقف ، فاوجب طاعة الامير عليهم فيحصل المراد من الجماعة اثناء السفر ،  فاذا كان هذا في السفر ففي الحضر اولى واهم .    فالشيخ يعتبر حديث السفر : تنبيها واشارة على وجوب الامارة فيما هو اكثر من الثلاثة في السفر ، ( وسائر انواع الاجتماع ) يعني ان اجتماع المؤمنون في سائر الاحوال تجب فيه الامارة ، أي لا يحل لاي جماعة ولو كانوا ثلاثة ، بل وحتى في غير مكان اقامتهم لا يحل لهم البقاء بلا امير منهم .

 علما بان الكلام اصلا يشير الى الجماعة وحاجتها للامارة ، فتامل الجملة مرة اخرى : ( فاذا كان قد اوجب في اقل (الجماعات ) واقصر (الاجتماعات) ان يولى احدهم ) ، فهو يعني ان الجماعات بدأ من الثلاثة ومافوقها اولى بالامارة في الحضر والاقامة من حالة السفر ، وكانه يسوق فرض جدلي لاولويتها في غير السفر.     كما انه يريد القول بان ذكر السفر هو للمبالغة في وجوب الامارة ، مثل النهي عن قول ( اف ) للوالدين ، ولم يذكر في الاية الضرب ، ويعني ما فوقه محذور من باب اولى ، فلا يقل عاقل ان النهي خاص بقول اف ، ولكن الضرب لا باس به ، فكذلك الحديث عن وجوب الامارة حتى في حالة السفر والجماعة الصغيرة من ثلاثة ، يفيد ان في الحضر والجماعة الاكثر من الثلاثة اولى بالامارة من السفر الذي لم يعذرهم فيه من الامارة وحاجتهم لها.

  والمراد من تلك المناقشة ان حديث السفر كاف لاثبات وجوب الامارة، اما من ناحية وجود غيره من الادلة فهي كثيرة ومنها حديث اخر قريب من سياق الاول لكنه في اجتماع الثلاثة فما فوق من غير سفر ، وفي أي موضع خلو فيه من عامة جماعة المسلمين، سواء للرعي او الزراعة او الحراسة ، او اصلا حياتهم هناك .          فهؤلاء الثلاثة في ارض فلاة ، لا يحل لهم ترك الامارة ، وتامل ذلك اذ لم يقل امر فقط بل قال ( لا يحل ) ، وهو ابلغ في التحريم لعدم الفعل، والحديث رواه احمد عن عبد الله بن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يحل لثلاثة يكونون بارض فلاة الا امّروا عليهم احدهم ).

وقد ذكر الشيخ هذا الحديث مع ما قبله واسنبط منهما الامارة في سائر الاحوال والاجتماعات والاوقات.     وتكررت المقالات من شيخ الاسلام في بيان المسالة من عدة وجوه تفيد دعوته للامارة بشقيها سواء في كل الاحوال للدعوة وغيرها او حتى الكبرى فالامر يشمل الكل ، وقال رحمه الله في ( 28/390 ) : ( يجب ان يعرف ان ولاية امر الناس من اعظم واجبات الدين ، بل لا قيام للدين والدنيا الا بها ، فان بني ادم لا تتم مصلحتهم الا بالاجتماع ولا بد لهم عند الاجتماع من راس ) .

فانظر وضوح المسالة في انه يريد الجماعة ثم الامارة لها ، وذكر ان ذلك للدين والدنيا بل لا يقومان الا بها ، وذكر ضرورة الاجتماع يريد به وجوب الجماعة ، ثم اكد ضرورة الرأس أي يريد به الامارة والقيادة في ذلك ، فمراد الشيخ في غاية الجلاء ومن ينتظر الفتوى من اهل العلم لا اراه يمارى في كلام الشيخ واستدلاله اذ انه اشهر علماء السنة بعد العصور الخيرة .

 واذا كان العلماء هم من الامراء فلا ادري من هو اولى بالامارة والطاعة في الفتوى من شيخ الاسلام بعد الفئة الاولى من السلف الصالح.     وحتى ينتبه طالب العلم اكثر لمن هو ابن تيمية الذي يستدل بهذه الاحاديث على الامارة في سائر الاحوال والامور العادية ، والتي لم يدرك البعض المعاني التي اشار اليها الشيخ ، وكانهم يرون انه غابت عليه بعض الادلة التي عندهم او فهموا افضل منه ، فليعلموا ان الشيخ هو الذي جمع الاصول كلها ، وحوى مالم يحصل لمشايخه ، فكان شيخ الاسلام الذي لم يسبق في العلماء بعد الصحابة من جمع علمه ، فقوله في المسألة خلاصة مئات المراجع ، بعد التوفيق بين المتعارضات والجمع بين الواجبات وترجيح الراجح على المرجوحات .        وقد ورد في تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى لجامعه ، قوله : ( حجة الله على عباده ، الجامع بين العلوم النقلية والعقلية بانواعها ، ومذاهب اهل الملل والنحل ، وآراء المذاهب ومقالات الفرق ، ما لم يعلم مثله عن احد من علماء الارض ، لا قبله ولا بعده ، مع بيان حقيقة الشريعة المطهرة على الوجه الصحيح ، وقوة الحكم في احقاق الحق بالحجج والبراهين ، ونصرة مذهب السلف على من خالفه من سائر المضلين ، فبحثه يزلزل زخرف المبطلين ، لم يظهر علم ما ظهر علمه ، ولم يؤت احد مثل ما اةتي من الحفظ والفهم والذكاء وعلو الكعب ) انتهى . وقيل فيه : ( اعلم بالمذاهب من اهلها ) .     وحكى البرزالي ان شيوخه ، مائة شيخ ، وذكروا له من المصنفات، اكثر من ستة آلاف مجلد ) . وقال بعض اصحابه : (لو اراد الشيخ او غيره ان يعدوا مؤلفاته لما قدروا ) . وقال الامام الذهبي : لعل فتاويه في الفنون ثلاثمائة مجلد بل اكثر ) .      كما نقل عن الذهبي قوله : أي حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث ، والذهبي ادرى بما يقول وهو المحدث ، صاحب كتاب ميزان الاعتدال في نقد الرجال . وتلميذ ابن تيمية . رحمهما الله .       ذلك هو شيخ الاسلام الذي يعارض بعض طلبة العلم فتواه واستدلاله ، وقد كان اهل العلم يستدلون به على معنى الحديث : (رب مبلغ اوعى من سامع ) قالوا : كان اوى ممن سمع منهم ، لانه جمع ما كتب قبله واستفاد من ارآئهم ، وما غاب على هذا وجده عند ذاك ، والله يمن على من يشاء . 

ونعود الى مناقشة بعض ما ورد ضمنا ، في تعريف اولي الامر ، فانها ليست فقط في الحكام ، بل تشمل غيرهم ، من رعية الرجل في بيته والمطاعين في العشائر والعلماء والمجتمعون في مكان بما فيه السفر ، وقد قال شيخ الاسلام في اصناف اولي الامر وتعريفهم : ( ص 170 ) : ( واولو الامر : اصحاب الامر وذوه ، وهم الذين يأمرون الناس ، وذلك يشترك فيه اهل اليد والقدرة ، واهل العلم والكلام ، فلهذا كان اولو الامر صنفين : العلماء والامراء ) الى قوله : ( ويدخل فيهم الملوك والمشايخ واهل الديوان ، وكل من كان متبوعا ، فانه من اولو الامر ، وعلى كل واحد من هؤلاء ان يامر بما امر الله به ، وينهى عما نهى عنه ، وعلى كل واحد ممن عليه طاعته ، ان يطيعه في طاعة الله ، ولا يطيعه في معصية الله ) انتهى.

 ويؤخذ منه الى جانب ان المشايخ والمتبوعون من الامراء يؤخذ منه ايضا ، وجوب طاعتهم في هذه الامارة ، بل على كل واحد من اتبعهم ان يطيعه . ويتضح منه امارتهم غير الكبرى وغير السفر بل سماها سابقا في الامور العادية.    وقال في ( 19/ 117) بعد ذكر الحديث : ( وودت اني قد رايت خلفائي ؛ قالوا : ومن خلفاؤك ؟ قال : الذين يحيون سنتي ، يعلمونها الناس ) . ( فهولاء هم ولاة الامر بعده ، وهم الامراء والعلماء ، وبذلك فسرها السلف ومن تبعهم من الائمة ، كالامام احمد وغيره ) انتهى .      وقال في ( 3/ 423 )  : ( ويجب على اولي الامر، وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها ان يقوموا على عامتهم ، ويأمروهم بالمعروف ، وينهونهم عن المنكر ) انتهى .              وذكره لاصناف الامارات والامراء يكذب قول من يقول : ان المراد فقط الامارة الكبرى ، او فقط المشايخ ، اذ ان الامر واضح في كلام الشيخ بضرورة الامارة لكل بني ادم ، ثم يخص بها اهل الدين بقوله :  ( انها من اعظم واجبات الدين ) .          وعن الكلام في مسألة الرئاسة فيقر الشيخ ذلك ولا يرى به حرجا من خلال كلامه ، منها قوله السابق : ( فان بني ادم لا تتم مصلحتهم الا بالاجتماع ، ولا بد لهم عند الاجتماع من راس ) .      فالاجتماع لا بد ، والرئاسة والامارة لا بد ، كما ذكر في موضع اخر : ( واما رأس الحزب فهو راس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبا ، فان كانوا مجتمعين على ما امر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان ، فهم مؤمنون ، لهم ما لهم ، وعليهم ما عليهم- .الخ ) وسياتي .       فيؤخذ من كلامه جواز الرئاسة في كل ما يجمع الناس ، وتبقى الضوابط  الاخرى . وذلك لا يعني تعدد الاحزاب الدينية وانما الجواز لحزب الله الواحد أي ما وافق الجماعة الحقة ، وبالنسبة للاحزاب غير الدينية ، فلم يرى به باسا لقوله : ( فهو الطائفة التي تتحزب ، أي تصير حزبا ) واقرها على ذلك لانها ليست دينية ، بل قال ( فهم مؤمنون )، ويبقى على كل منهما ما ذكر من الالتزام وهذا ما يفيد تجويزه ، ومما يوكد انه يريد ذلك للجماعة ، ورود القول ضمن حديثه : ( فان الله ورسوله امرا بالجماعة والائتلاف).       وان قال البعض ان الرئاسة التي يعنيها شيخ الاسلام هي في العلم فقط، أي المشايخ ، فنقول بان الشيخ اوضح بجلاء وقال : ( رأس الحزب ، وقوله ( الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبا ) ، فليس هذا لتلاميذ مع شيخ ، وانما حزب وطائفة برئيسها ، كما يفيد بانه امرا عاما للدنيا والدين ، بل لكل البشر ، ومنها قوله : ( فجميع بني ادم لا بد لهم من طاعة آمر وناه ).      وقوله :( 168 ) ( واذا اجتمع اثان فصاعد فلابد ان يكون بينهما اتمار بامر وتناه عن امر ) .       وقوله : ( فان بني ادم لا تتم مصلحتهم الا بالاجتماع - الى قوله- ولا بد لهم عند الاجتماع من راس ) ، فهل هذا للتلاميذ فقط ؟ ، لا يقل بنعم الا مكابر . 

اذا الجوازعاما لكن الخطا ياتي من جهة سلوك وتصرفات من يترأس الناس فان استقام فلا حرج ، وما عرف من اخطاء عن الكثيرين فلا يحرم اصل الوظيفة ، الرئاسة او القيادة .

  والرئاسة اشكال ومسميات لكل من يقود غيره من الناس ، وقد وصف الامام احمد بانه راس عند ما حمل الى المامون ، وقال ابو جعفر : فقلت ياهذا انت اليوم راس الناس يقتدون بك فوالله لان اجبت الى خلق القراءن ليجيبن خلق  .الخ ) وهذا كما ورد ان الامراء صنفين العلماء والامراء ، ولا يحمل على احدهما لنفي الاخر ، بل ان كل منهما امير مطاع .

  اما ما يجعل الاشخاص او الجماعة في تحزب بدعي ،هو المنهج المتبع والسلوك ، وليس لمجرد الاجتماع او الرئاسة عليه . 

   روى الدارمي عن تميم الداري قال : تطاول الناس في البناء في زمن عمر ، فقال عمر : ( يامعشر العريب : الارض ، الارض ، انه لا اسلام الا بجماعة ، ولا جماعة الا بامارة ، ولا امارة الا بطاعة ، فمن سوده قومه على الفقه ، كان حياة له ولهم ، ومن سوده قومه على غير فقه ، كان هلاكا له ولهم ) .

    كما يرى شيخ الاسلام ان من الواجب اعتبار الامارة دينا يتقرب به الى الله تعالى كما ورد في ( ص 391 ) : ( فالواجب اتخاذ الامارة دينا وقربة يتقرب بها الى الله ، فان التقرب الى الله بطاعته وطاعة رسوله من افضل القربات ) انتهى . بمعنى ان قيام الامارة استجابة لامر الله بها فانها واجب مامور به ، ومنه احياء للسنة ، ومن كان من اهل السنة لا يهون عليه مخالفتهم في اصل من اصولهم ، ولا تخرج الجماعة على الحاكم المسلم الذي هو من فرق المسليين الاخرى ، بل هم الفرقة التي تحمل الحق بين فرق المسلين الاخرى ، وتدعوهم لذلك ، كما كان الامام احمد واتباعه تحت الامام المسلم الذي قال بما يخالف عقيدة المسلمين متاولا .

  وكذلك كان ابن تيمية وجماعته تحت الامام ، لكنهم متميزون بفرقتهم السلفية ، ولا تداخل بين جماعة اهل العلم والسلطان وحكمه، ذلك لانها الفرقة الناجية وليس الحكومة الناجية ، فان كان لهم امام او لم يكن ، لا يغير ذلك في انها جماعة اهل السنة في كل الاحوال.