في المنهج الاسلامي

منهج السلف يكفي الخلف
في المنهج الاسلامي من المنهج وجوب الجماعة تابع وجوب الجماعة تعدد اسماء الجماعة كيفية المعية واللزوم اشكالات في فهم الجماعة
اشهر موقعك مجانا واربح 2.5 سنت للضغطه

الآثار في الأمر بالجماعة

  وقد فاضت السنة والآثار في الامر بالجماعة ، بما يبطل شبه اهل الاعتزال ، ومنها ما رواه الامام احمد رحمه الله ، ( 4/278 ) عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الجماعة رحمة والفرقة عذاب ) . وروى في ( 4/ 130 ) عن الحارث الاشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان الله امر يحي بن ذكريا بخمس كلمات ، فذكر الحديث بطوله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( وانا آمركم بخمس كلمات امرني الله بهن : الجماعة ، والسمع ، والطاعة والهجرة ، والجهاد في سبيل الله ، فمن خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من راسه الا ان يرجع ) .

 والربق حبل ممدود تتفرع منه حبال قصيرة يربط فيها البهم صغار الغنم الرضيعة ، فتصير مثل العقد في حبل واحد ، وبالنسبة لمثل المسلم يضعها في عنقه بقبوله الاسلام ، ليكون الجميع في ربق واحد ، فمن رفض الجماعة فقد اخرج ربقة الاسلام من عنقه ، تلك التي تجمع كل اهل التوحيد ، فمن اراد معيّتهم فليرجع اليهم ، ويضع ربق الجماعة في عنقه.

  وروى ابن جرير عن انس بن مالك ، قال : قال رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم :     ( ان بني اسرائيل افترقوا على احدى وسبعين فرقة ، وان امتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة ، كلهم في النار الا واحدة ، قال : فقيل : يارسول الله ، وما هذه الواحدة ؟ قال : فقبض يده وقال (الجماعة ، واعتصموا بحبل الله جميعا ) .

  فدل بهذا الوصف على ان المراد بالاعتصام هو الجماعة ، كما فسرها بقبض يده دلالة على ترابط الجماعة وتماسكها .

  وقال ابو جعفر : " يعني بذلك ـ جلّ ثناؤه ـ ( ولتكن منكم ) ايها المؤمنون ( امة ) يقول : جماعة" . يفيد : ولتكن منكم امة ، أي ولتكن منكم جماعة ، والامة معناه : جماعة ، كقوله تعالى ( وجد عليه امة من الناس يسقون ) أي جماعة من الناس . ( منهم امة مقتصدة ) أي : جماعة مقتصدة . ( ان ابراهيم كان امة ) أي : كان جماعة لعدم وجود اتباع له آنذاك ، فكان ممثل جماعة الحق المطلوب قيامها بعد غيابها .

( وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون ) أي جماعة يهدون بالحق.

  وقال ابو جعفر في التفسير :" ( ويعني ـ جلّ ثناؤه ـ بقوله : (امة قائمة ) : جماعة ثابتة على الحق .

  فقوله تعالى : ( ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر) أي : لتكن منكم جماعة تقوم بذلك .

  وقال ابو جعفر في قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا ) ، يقول ـ جلّ ثناؤه ـ : فلا تتفرقوا يا معشر المؤمنين في دينكم ، تفرق هؤلاء في دينهم ، ولا تفعلوا فعلهم ، وتستنون في دينكم بسنتهم ، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم) انتهى.

  و روى الامام احمد ( 5/ 233 ) عن معاذ بن جبل ان رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : ان الشيطان ذئب الانسان ، كذئب الغنم ، يأخذ السيرة ، والقاصية ، والناحية ، فإياكم والشيطان ، وعليكم بالجماعة ، والعامة، والمسجد ) ، وهذا تحذير للمنفرد او المتنحي اي المبتعد عن جماعة التوحيد ، وبين له ان السلامة في جماعتهم ومجتمعهم .

  وروى ابن بطة عن ابن مسعود قال : عليكم بتقوى الله وهذه الجماعة ، فان الله لا يجمع امة محمد على ضلالة ابدا ، عليكم بالصبر حتى يستريح بر او يستراح من فاجر.

  وروى الدارمي عن حسان بن عطية ، انه سمع عطاء الخرساني يقول : ( ثلاثة لا تنفع اثنان دون الثالثة ، الايمان ، والصلاة ، والجماعة ) ، وهذا ما يؤكد ان اعتقاد السلف الصالح في الجماعة انه الوجوب الذي تركه معصية ، بل ولا ينفع الايمان بلا ملازمة الجماعة المؤمنة ، باعتبار ان ذلك من تمام الايمان ولوازمه ، أي من باب الولاء والبراء ، اذ انه لم يوالي المؤمنين من هجر جماعتهم او اعتزلهم .

وروى عن عامر بن ثابت بن قطبة قال : كان عبد الله بن مسعود يذكر كل عشية خميس ، فيحمد الله ويثني عليه ويقول : ان احسن الحديث كلام الله ، واحسن الهدي هدي محمد ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وشر الرواية رواية الكذب . وسمعته يقول : ياايها الناس عليكم بالطاعة والجماعة ، فانها حبل الله الذي امر به ، وان ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة .

  وروى عن الحسن ، ان ابي بن كعب قال : ( هلك العقدة ورب الكعبة ، هلكوا واهلكوا كثيرا ، والله ما عليهم آسى ، ولكن آسى على ما يهلكون من امة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني بالعقدة : الذين يعمدون على الآراء والاهواء ، والمفارقين للجماعة ) انتهى.

  وقد بوب البخاري في لزوم الجماعة قوله : ( وما امر النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة ، وهم اهل العلم ) ، يقول شارح عمدة القارئ : (هذا عطف على ما قبله ، تقديره وفيما امر النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم  بلزوم الجماعة . والمراد بالجماعة : اهل الحل والعقد في كل عصر ) انتهى.

 قال الكرماني : مقتضى الامر بلزوم الجماعة ، انه يلزم المكلف متابعة ما اجتمع عليه المجتهدون ، وهو المراد بقوله ، اهل العلم .

  وهذا ايضا يفيد انها ليس جماعة الناس العامة وانما اهل العلم والدراية وهذا في منهج الجماعة وشعائرها وسبيلها وهو احد معنيي الاجتماع ، واما في المعنى الاخر للّزوم وتقارب الافراد فهو لزوم المعية والاجتماع الذي وصف تاركه بالغنم القاصية ، اي لزوم الجماعة والمرافقة .

اذن الجماعة منهج ، والجماعة اتباع مجتمعون على هذا المنهج ، فان ذكرت شريعتها هي ما اشار اليه : (ما اجتمع عليه المجتهدون)، وان ذكر اتباعها ومجتمعها اشير الى صفات المجتمعين على التوحيد والسنة ، فان ورد ذكر احدها في موضع ما، لا يعني هذا نفي المعنى الاخر.

 وقال ابن حجر في فتح الباري : ( فعرف ان المراد بالوصف اهل السنة والجماعة وهم : اهل العلم الشرعي ، ومن سواهم - ولو نسب للعلم - فهي نسبة صورية لا حقيقية ) انتهى.

 وقال القرطبي في التفسير ( ص 1406 ) : ( فاوجب تعالى علينا، التمسك بكتابه ، وسنة نبيه ، والرجوع اليهما عند الاختلاف ، وامرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادا وعملا  ، وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات ، الذي تتم به مصالح الدنيا والدين ، والسلامة من الاختلاف ، وامر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لاهل الكتابين ) انتهى.

   وقال الامام النووي في شرح صحيح مسلم ( 12/11 )  واما قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ولا تفرقوا ) : هو امر بلزوم جماعة المسلمين ، وتألف بعضهم ببعض ، وهذه احدى قواعد الاسلام ، واعلم الثلاثة المرضية : ( احداها ان يعبدوه ، الثانية ان لا يشركوا به شيئا ، الثالثة ان يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا ) .

  ذكر ابو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري الالكائي المتوفي سنة 418 هجرية عن الاوزاعي يقول : ( كان يقال : خمس عليها اصحاب رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون باحسان : لزوم الجماعة ، واتباع السنة ، وعمارة المسجد ، وتلاوة القرءان ، والجهاد في سبيل الله).

  وذكر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى ( واني لغفار لمن تاب وءامن وعمل صالحا ثم اهتدى ) ، قال ( ثم اهتدى ) : قال : لزوم السنة والجماعة . فالسنة هي المنهج ، والجماعة هي الفئة العاملة به والمطلوب السير معها ، وذلك يعني بعد الايمان اهتدى الى الجماعة الحقة التي على السبيل الصحيح .

 لان البعض يؤمن بالاسلام ، او يتوب عن المعاصي ، لكنه لا يهتدي الى الجماعة الحقة ، بل ينضم الى فرقة او جماعة مبتدعة في دينها فيكون لم يهتدي الى الحق ، وتلك المغفرة الموعودة في الاية لمن اهتدى الى الحق الذي عليه الجماعة التي هي الفرقة الناجية .

   وذكر عن ابن عباس في قوله تعالى : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) ( 106 آل عمران ) فاما الذين ابيضت وجوههم : فاهل السنة والجماعة واولو العلم .

  وروي عن اسامة بن شريك قال : سمعت رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : (يد الله على الجماعة ، فاذا شذ الشاذ منهم ، اختطفته الشياطين كما يختطف الشاة ذئب الغنم ) . قال الالباني رحمه الله : صحيح بشواهده .

 وهذا يفيد ان المراد من الجماعة هو الاجتماع  ، اذ لو كان المراد لزوم المنهج فقط ، لكان للمفارق الجماعة ان يكون على منهجها في انفراده، ولما كان المراد الاجتماع معهم ، شبهه بالغنمة المبتعدة عن رفيقاتها ، وذلك دعوة منه رسول الله صلى الله عليه وسلم  للرجوع الى مرافقة الجماعة.

  وروى الترمذي مصححا من حديث الحارث الاشعري ، وذكر حديثا مطولا ، فيه : ( وانا آمركم بخمس امرني الله بهن : السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة ، فان من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه ) . وذكر حديثا آخر ، فيه (ومن اراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ) . وقال ابن بطال : مراد الباب : الحض على الاعتصام بالجماعة ، الى ان قال : والمراد بالجماعة : اهل الحل والعقد.

  والمراد بلزوم الجماعة : أي ابقاء النفس فيها واجبارها على ذلك، وفرض المداومة بها على النفس ، جاء في المعجم الوسيط : لزم الشيء لزوما : ثبت وداوم ، لازمه ، ولزاما : داوم عليه . التزم الشيء او الامر : اوجبه على نفسه .

 والمراد بلزوم الجماعة ، ان يفرض العبد على نفسه المداومة فيها والثبات على الجماعة ، في منهجها ، وفي مجالسها ومجتمعها ، ومرافقة اتباعها ، وان يصبر نفسه معهم كما جاء في قوله تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدو عيناك عنهم ).

  وقول ابن بطال في الاعتصام بالجماعة ، يعني الاحتماء بها من الفتن ، والهوى ، والشيطان ، ومن فرق الضلال وشبهاتهم ، حتى لا يخرج عن الجادة ، خاصة في عصر الفتن والبدع ، وغربة الاسلام ، وتعدد الفرق الضالة من حول اهل الحق الصادقين ، الذين يتمسكون بالسنة وعلى نهج السلف الصالح - رضوان الله عليهم أجمعين ، وألئك المتمسكون هم الفرقة الناجية التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم  ب (ما انا عليه واصحابي ) ، ووصفها : ( الذين يصلحون ما افسد الناس من سنتي).

وروى الامام ابن بطة عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( من عمل لله في الجماعة فاصاب تقبل الله منه ، وان اخطا غفر الله له ، ومن عمل لله في الفرقة فان أصاب لم يقبل منه ، وان اخطأ فليتبوأ مقعده من النار ) .

  وروى ايضا عن سعد بن حزيفة عن ابيه قال : قال رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ( من فارق الجماعة شبرا فارق الاسلام ) ، وهذا يفسر خلع ربقة الاسلام بالخروج منه .   وروى الامام ابن بطة عن المسيب بن واضح قال : ( سمعت يوسف بن اسباط يقول : اصل البدع اربعة : الروافض ، والخوارج، والقدرية ، والمرجئة ، ثم تشعب كل فرقة ثماني عشرة طائفة ، فتلك اثنان وسبعون فرقة ، والثالثة والسبعون ، الجماعة التي قال رسول الل رسول الله صلى الله عليه وسلم ه  انها الناجية).

 واخرج الترمذي  والطبري ، عن ابن عمر قال : خطبنا عمر بن الخطاب t بالجابية فقال : اني قمت فيكم كمقام رسول الله فينا ، فقال : ( اوصيكم باصحابي ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يفشفوا الكذب ، حتى يحلف الرجل ول يستحلف ، ويشهد ولا يستشهد ، عليكم بالجماعة ، واياكم والفرقة ، لا يخلو رجل بامرأة ، فانه لا يخلوا رجل بامرأة الا كان ثالثهما الشيطان ، الشيطان مع الواحد ، وهو عن الاثنين ابعد ، ومن اراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فذلك هو المؤمن ) .

وروى في التهذيب ( 3 / 318 ) عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ترك السنة الخروج من الجماعة ) .

 والخروج يكون بمعنيين ، اما الخروج على اجتماعهم ووحدتهم وفرقتهم الناجية ، وذلك ما يفيد الفرقة والتشتت ، او الخروج على ما عليه الجماعة من الحق وهو المنهج.

  ان مما ذكر في شأن الجماعة ووجوبها ولزومها ، لا يتردد فيه الا من طمست بصيرته ، وسيطر عليه الهوى فاعمى قلبه ، واصم اذنه، وان في هذا لبلاغا لقوم عابدين ، وان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد .  وللجماعة ذكر آخر وتفاصيل سترد في مواضع اخرى قادمة خلال تعريفها وصفات اهلها ومناقشة الشبهات وتفنيدها ، مع ذكر اقوال اهل العلم من السلف الصالح رضي الله عنهم واتباعهم اجمعين .

الحكمة من الجماعة وأقوال اهل العلم فيها

   ان الحياة كلها ومصالح بني آدم لا تقوم ولا تكتمل الا بالاجتماع والتعاون ، سواء في الدنيا او الدين ، وفي اختلاف طبائع الناس وقواهم العقلية والبدنية ورغباتهم المتفاوتة حكم عظيمة ، منها : ليحتاج كل شخص الى الاخر ، وذلك يكون سببا في تقريبهم ليكمل كل منهم الاخر ويصبح له فيه حاجة تجبره على التقارب ، ويؤدون ما طلب منهم ويحصل التكاثر واستمرارية الحياة ، وغير ذلك من الحكم في السنة الكونية ، وحتى الحيوانات ملهمة في تقاربها ، وغيرها من المخلوقات مثل الحشرات ، فنجد النمل مملكة منظمة ولها ادارة دقيقة ، وتجمع قوتها في اجحارها ، وتقوم بكسر الحب حتى لا ينبت اذا جاء المطر . والنحل كذلك مملكة دقيقة .    كما نجد ان الطيور جماعة تسير خلف قائد وتتبعه حيث دار . وبأشكالها المختلفة تكون جماعات يحكي حالها السنة الكونية والحكمة الربانية ، قال تعالى : ( وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم )  ( 38 الانعام ) ، أي جماعات امثالكم .      فكيف لهذا الانسان المدعي للعلم والمعرفة ان يدعو الى الاعتزال والفرقة ؟ ويظن انه من المصلحين ، في حين انه من المفسدين ، في الدنيا والدين .

 وندعو هؤلاء الى سياحة قصيرة في مؤلفات الائمة المصلحين ومنهم اعلم الامة بعد الصحابة بالدين ، شيخ الاسلام ابو العباس احمد بن عبدالحليم بن تيمية رحمه الله وطيب الله ثراه .

  فمن اقواله ما جاء في مجموع الفتاوى ( ج 28 /ص 62 ) : (وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الاخرة الا بالاجتماع والتعاون والتناصر ، فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم ، والتناصر لدفع مضارهم ، ولهذا يقال الانسان مدني بالطبع . فاذا اجتمعوا فلا بد لهم من امور يفعلونها ، يجتلبون بها المصلحة ، وامور يجتنبونها ، لما فيها من المفسدة ، ويكونون مطيعين للامر بتلك المقاصد ، والناهي عن تلك المفاسد ، فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمر وناه ) ، انتهى كلامه .     وقال في  ( ص 390 ) : ( فان بني ادم لا تتم مصلحتهم الا بالاجتماع ، لحاجة بعضهم الى بعض ) . فتراه بعد بيانه لحاجتهم للاجتماع اشار الى للآمر فيهم ويعني ضرورة الامارة عليهم والرآسة فيهم وسياتي لها فقرة خاصة .  وقال ايضا شيخ الاسلام ( ص 168) : ( وبنو آدم لا يعيشون الا باجتماع بعضهم مع بعض ، واذا اجتمع اثنان فصاعد ، فلابد ان يكون بينهما ائتمار بامر وتناه عن امر ) .   كما يتضح من كلام الشيخ الاتي المطول ، ان الجماعة امر للوجوب وليس للاستحباب حيث قال : ( ص 285 ) : ( هذا مع ان الله امر بالجماعة والائتلاف ، ونهى عن البدعة والاختلاف ، وقال : ( ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : عليكم بالجماعة فان يد الله مع الجماعة ) وقال : (الشيطان  مع الواحد ، وهو من الاثنين ابعد ) انتهى.

  وقال شيخ الاسلام ( ص51 ) : ( وتعلمون ان من القواعد العظيمة التي هي جماع الدين ، تأليف القلوب ، واجتماع الكلمة ، وصلاح ذات البين ، فان الله تعالى يقول : ( فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم ) . ويقول : ( واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا ). ويقول : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) . وامثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف ، وتنهى عن الفرقة والاختلاف ، واهل هذا الاصل هم اهل الجماعة ، كما ان الخارجين عنه هم اهل الفرقة) .انتهى كلامه رحمه الله.

  فانظر الى قول الشيخ ( تامر بالجماعة ) وقوله ( اهل الجماعة ) تتبين ان منهج السلف الذي عرفوه هو وجوب الجماعة ومامور بها، كما ان القاعدة العظيمة التي ذكرها هي اصول قيام الجماعة من ، اجتماع الكلمة وتأليف القلوب ، واصلاح ذات البين . .

  وقال شيخ الاسلام في (19/117 ) بعد ذكر الآيات : قال ( فهذه النصوص وما كان في معناها ، توجب علينا الاجتماع في الدين ، كاجتماع الانبياء قبلنا في الدين ) .

  وقال ايضا ( 3/ 419 -420 ) بعد ذكر الآيات التي تآمر بالجماعة : ( فكيف يجوز لامة محمد صلى الله عليه وسلم ان تتفرق وتختلف ، حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى ، وقد برأ الله نبيه ص ممن كانوا هكذا . فهذا فعل اهل البدع ، كالخوارج الذين فارقوا جماعة ا لمسلمين ، واستحلوا دماء من خالفوهم .واما اهل السنة والجماعة ، فهم معتصمون بحبل الله .. الى قوله : وان يكون المسلون يدا واحدة ) انتهى .    وقوله يدا واحدة يشير لاجتماع الاشخاص والمرافقة والمعاونة ووحدة الصف ، وليس فقط لمجرد اتباعهم لما عليه الجماعة .    وقوله يدا واحدة يفيد انه لا يتكلم عن منهجهم وشعائرهم وانما يعني وحدتهم وقوتهم في كونهم يدا واحدة قد اجتمعوا سواء للدعوة او للتعمير او الدفاع او الجهاد ، فهم متحدون .

 وقال ( ص 421 ) : ( فمتى ترك الناس بعض ما امرهم الله به ، وقعت بينهم العداوة والبغضاء ، واذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا ، وان اجتمعوا صلحوا وملكوا ، فان الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب. الى ان قال بعد ذكر الاية ( ولتكن منكم امة ) : فمن الامر بالمعروف ، الامر بالائتلاف والاجتماع ، والنهي عن الفرقة والاختلاف ) انتهى .

  فهذا مع الترغيب في الاجتماع ، يبن ترغيبه في الدعوة الى الاجتماع بل هي من الامر بالمعروف الذي تشمله الاية المذكورة ، امرا بما امرت به ، عليك رحمات الله تترى يا شيخ الاسلام ، وما اعلمك بالدين وما اجهل من خالفوك .  وقال رحمه الله في منهاج السنة ( 3/ 467 ) : ( فان الله امر بالجماعة والائتلاف ، وذمّ التفرق والاختلاف ، ثم ذكر الاية : (واعتصموا بحبل الله ) . انتهى . 

 وروي عن عمر بن الخطاب t في سنن الدارمي ، وسياتي ذكره بكامله ، قال : ( انه لا اسلام الا بجماعة .. ) وذلك ما يفيد وجوب الجماعة ، وانها من تمام الاسلام وموالات اهله ولا كمال له الا بها.    وقال ابن كثير في قوله تعالى : ( ولا تفرقوا ): ( امرهم بالجماعة ونهاهم عن الفرقة ) . وقال في قوله تعالى : ( يدعون الى الخير ) : المقصود من هذه الاية : ان تكون فرقة من هذه الامة متصدية لهذا الشأن ) ، وقال في الاية : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) : ( يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه اهل السنة والجماعة ، وتسود وجوه اهل البدعة والفرقة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما ) انتهى.

   وجاء في اعلام الموقعين ( 1 / 258 و 259 ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : تبيض وجوه اهل السنة والائتلاف ، وتسود وجوه اهل الفرقة والاختلاف ) .   وقد بين شيخ الاسلام حال الجماعة بين طلبة العلم وشيوخهم ، فقال في ( 28 / ص 18  ) : ( واذا اجتمعوا على طاعة الله ورسوله وتعاونوا على البر والتقوى ، لم يكن احد مع احد في كل شيء ، بل يكون كل شخص مع كل شخص في طاعة الله ورسوله ، بل يتعاونون على الصدق والعدل والاحسان والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة المظلوم وكل ما يحبه الله ورسوله ، الى قوله : بل تجمعهم السنة وتفرقهم البدعة ) . انتهى .   فكل ما ذكره الشيخ لا يكون الا باناس مجتمعين ومنظمين ، لادارة شئونهم واموالهم ونصرة ضعفائهم ، وكل منهم في المكان المناسب له .     ومن ما يؤكد انها جماعة تميز مجتمعها عن عوام المسلمين والفساق والمجرمين ، ما جاء في وصايا الشيخ في المرجع السابق : (وعليهم ان يامروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ولا يدعون بينهم من يظهر فحشا ، ولا يدعون صبيا امردا يتبرج ، او يظهر ما يفتن به الناس ، ولا يعاشر من يتهم بعشرته ، ولا يكرم لغرض فاسد ) . انتهى .

 فتتميز جماعتهم عن العامة ، حتى ترفض وجود الفساق بينهم والمشهور عنهم الفواحش من المسلمين ، ليكون مجتمع من اهل العلم والاستقامة.

   ومع ترغيب شيخ الاسلام في الجماعة نجد في كتاباته انه كانت له جماعة متميزة عن اهل البدع ، يراسلها ويدعوا لها ويشتاق اليها، مع انه كان في عصره سلطان للمسلمين يغزو معه وينصحه ، ولكن يتميز في مجتمعه الخاص ، على نهج الفرق الناجية التي وصفها بانها جماعة اهل السنة وطريق السلف الصالح ، فعندما وشى به المنافسون من علماء السوء وسجن بسبب هذا التميز والاجتماع ظنا منهم انه يريد منافسة السلطان ، فكان رحمه الله يراسل الجماعة من داخل سجنه الذي اعتبره فرصة لتدوين علمه ، والشاهد قوله ( 28 / 30 ) : ( والذي اعرف به الجماعة احسن الله اليهم في الدنيا والاخرة ...الخ ) .

ويقول ( ص44) : ( والمقصود أخبار الجماعة بان نعم الله علينا فوق ماكنا بكثير كثير ونحن بحمد الله في زيادة من نعم الله . وان لم تكن خدمة الجماعة باللقاء ، فانا داع لهم بالليل والنهار قياما ببعض الواجب في حقهم ، وتقربا الى الله تعالى في معاملته فيهم ) انتهى.

  ان اهل الحق واتباع السلف الصالح ، اصحاب الطائفة المنصورة المبشرة بانها الفرقة الناجية ، فانهم ليسوا كالاحزاب المبتدعة كما يرى البعض ، فقط ان هناك ثمة تشابه في اللفظ من حيث انهم جماعة لكنها تختلف في المعنى والمضمون ، وانها على الحق الذي هدى الله له اهل الايمان والانقياد ، وضل عنه اهل الاهواء الا من رجع منهم ، اما اهل التوحيد المتبعون ، فمؤسس جماعتهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتسب اليها المتبعون له ، بينما تلك الفرق المبتدعة اسسها مبتدعة وازوا  بها الجماعة الحقة وعليها اتباعهم العوام والجهلة .

  كذلك نهى الله عن السبل ، : ( ولا تتبعوا السبل ) ، لكنه امر بسبيل واحد ، نسبه لنفسه وقال تعالى : ( عن سبيله ) ، فالنهي عن السبل كي لا يخرجون عن السبيل الذي امر به ، كما اعاب على الاحزاب التي فرحت بباطلها ، لكنه اقر حزبا واحدا ونسبه لنفسه ووصف اهله بالفلاح في قوله تعالى : ( أولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون ) فيقول هذا الحزب مفلح ، ويقول البعض كلها احزاب باطلة ولم يستثنوا منها حزب الله ، وهذا رد على الله ورسوله من حيث لا يشعرون .     وقد زم النبي صلى الله عليه وسلم  الفرق وقال : ( كلها في النار ) ، لكنه استثنى منها فرقة وقال : ( الا واحدة ، وهي الجماعة ) ( فما بال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) .   مما ورد يتبين ان هناك حزبا وصف بالنصوص : انه فرقة ، وطائفة ، وجماعة ، وعلى المسلم الايمان بها والبحث عنها بالمواصفات التي وصفت بها وصفات اهلها .      اما من هلك عند الامور المتشابهة ، ورفض الجماعة خوفا من الفرقة المنحرفة فكان كالذي فرّ من : التشبه في الصفات ، فوقع في التعطيل ، أي جحد ما ثبتته النصوص ، لهذا كان منهج اهل السنة والجماعة هو التوسط في كل الامور ، يثبت ما اثبت الشارع وينفي ما نفى الشارع ، فكانت هذه الامة مميزة بهذا الاعتدال في قوله تعالى :  ( وكذلك جعلناكم امة وسطا ) .

  ان العارف بمقاصد الشريعة لا يرى الفرقة وترك الجماعة هو الصواب ، ولا يكون الخير في هجر جماعة الموحدين من اهل السنة والاستقامة ، مع ان الله تعالى امر حتى رسوله r بمعية الموحدين والصبر معهم في قوله تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ) .    حتى انه كان اذا راى جماعة من اصحابه مجتمعين قال: مرحبا بمن امري ربي ان اصبر نفسي معهم .

 كما يوصي شيخ الاسلام بالجماعة فيقول ( ص 423 ) : ( فالله ، الله عليكم بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله ، والجهاد في سبيله ، يجمع الله قلوبكم ، ويكفر عنكم سيئاتكم ، ويحصل لكم خير الدنيا والآخرة ) .

 فهذه وصية اعرف اهل العلم بالسلفية ، وجامع اصولها يوصي بالجماعة ، وعلى من خالف اهل الاستنباط ان يقف مع نفسه كي  لا تزل قدم بعد ثبوتها .

ويقول ( ص44) : ( والمقصود أخبار الجماعة بان نعم الله علينا فوق ماكنا بكثير كثير ونحن بحمد الله في زيادة من نعم الله . وان لم تكن خدمة الجماعة باللقاء ، فانا داع لهم بالليل والنهار قياما ببعض الواجب في حقهم ، وتقربا الى الله تعالى في معاملته فيهم ) انتهى.

  ان اهل الحق واتباع السلف الصالح ، اصحاب الطائفة المنصورة المبشرة بانها الفرقة الناجية ، فانهم ليسوا كالاحزاب المبتدعة كما يرى البعض ، فقط ان هناك ثمة تشابه في اللفظ من حيث انهم جماعة لكنها تختلف في المعنى والمضمون ، وانها على الحق الذي هدى الله له اهل الايمان والانقياد ، وضل عنه اهل الاهواء الا من رجع منهم ، اما اهل التوحيد المتبعون ، فمؤسس جماعتهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتسب اليها المتبعون له ، بينما تلك الفرق المبتدعة اسسها مبتدعة وازوا  بها الجماعة الحقة وعليها اتباعهم العوام والجهلة .

  كذلك نهى الله عن السبل ، : ( ولا تتبعوا السبل ) ، لكنه امر بسبيل واحد ، نسبه لنفسه وقال تعالى : ( عن سبيله ) ، فالنهي عن السبل كي لا يخرجون عن السبيل الذي امر به ، كما اعاب على الاحزاب التي فرحت بباطلها ، لكنه اقر حزبا واحدا ونسبه لنفسه ووصف اهله بالفلاح في قوله تعالى : ( أولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون ) فيقول هذا الحزب مفلح ، ويقول البعض كلها احزاب باطلة ولم يستثنوا منها حزب الله ، وهذا رد على الله ورسوله من حيث لا يشعرون .     وقد زم النبي صلى الله عليه وسلم  الفرق وقال : ( كلها في النار ) ، لكنه استثنى منها فرقة وقال : ( الا واحدة ، وهي الجماعة ) ( فما بال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) .   مما ورد يتبين ان هناك حزبا وصف بالنصوص : انه فرقة ، وطائفة ، وجماعة ، وعلى المسلم الايمان بها والبحث عنها بالمواصفات التي وصفت بها وصفات اهلها .      اما من هلك عند الامور المتشابهة ، ورفض الجماعة خوفا من الفرقة المنحرفة فكان كالذي فرّ من : التشبه في الصفات ، فوقع في التعطيل ، أي جحد ما ثبتته النصوص ، لهذا كان منهج اهل السنة والجماعة هو التوسط في كل الامور ، يثبت ما اثبت الشارع وينفي ما نفى الشارع ، فكانت هذه الامة مميزة بهذا الاعتدال في قوله تعالى :  ( وكذلك جعلناكم امة وسطا ) .

  ان العارف بمقاصد الشريعة لا يرى الفرقة وترك الجماعة هو الصواب ، ولا يكون الخير في هجر جماعة الموحدين من اهل السنة والاستقامة ، مع ان الله تعالى امر حتى رسوله r بمعية الموحدين والصبر معهم في قوله تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ) .    حتى انه كان اذا راى جماعة من اصحابه مجتمعين قال: مرحبا بمن امري ربي ان اصبر نفسي معهم .

 كما يوصي شيخ الاسلام بالجماعة فيقول ( ص 423 ) : ( فالله ، الله عليكم بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله ، والجهاد في سبيله ، يجمع الله قلوبكم ، ويكفر عنكم سيئاتكم ، ويحصل لكم خير الدنيا والآخرة ) .

 فهذه وصية اعرف اهل العلم بالسلفية ، وجامع اصولها يوصي بالجماعة ، وعلى من خالف اهل الاستنباط ان يقف مع نفسه كي  لا تزل قدم بعد ثبوتها .

ومن تلاميذ ابن تيمية المشاهير الامام الشاطبي رحمه الله فقد قال مرغبا في الجماعة ، في كتابه الاعتصام : ( الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله ولا سنة ولا قياس ، وانما تكون الغفلة في الفرقة ). علما بان في عصر الشاطبي امام للمسلمين ومع هذا يرى الدعوة للجماعة المتميزة ، غير العامة ، بل بين انه يخالف العامة حتى رموه بمخالفة الجماعة التي عليها العوام ، وسياتي كلامه بطوله في ذلك .

  ان المسلم سليم القلب ، لا يغل قلبه على لزوم جماعة المسلمين ، كما جاء في الحديث الذي رواه اهل السنن عنه صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يغل عليهن قلب مسلم : اخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الامور ، ولزوم جماعة المسلمين ) .

 وجماعة المسلمين عندما تذكر يراد بها : من كانوا على التوحيد والسنة ، فان كان عامة الناس على التوحيد فهم ، وان احدثوا البدع فمعناها يقع على الموحدين اهل العلم بها ، والعوام تبعا لهم ولا يعتد بقولهم ولا يؤمر مسلم باتباع عامة الجهلاء ، ولا بلزوم جماعتهم المعرضة عن الدين والغافلة ، واما اهل التوحيد هم المعنيون بجماعة المسلمين ولو كانوا اثنان وسيأتي بيان ذلك.

في المنهج الاسلامي من المنهج وجوب الجماعة تابع وجوب الجماعة تعدد اسماء الجماعة كيفية المعية واللزوم اشكالات في فهم الجماعة